شربل داغر

بين السينما والقصيدة

10 كانون الثاني 2022

02 : 00

حظيتْ القصيدة العربية بإرث كبير، ما توانى عن التأكد في العصور الماضية.

وهو ما اتضح في النقد الشعري وغيره. غير أن هذه المكانة جعلت الشعر... وحده، في علياءٍ تعبيرية وجمالية.

فقد احتيج إلى الشعر في أركان الدين والثقافة، من دون أن يحتاج هو إلى غيره، إذا جاز القول.

تفسير القرآن احتاج إلى الشعر الجاهلي، وعلوم اللغة احتاجت اليه، وغيرها الكثير من الاجناس الادبية أو الكتابية عموماً، أو في القيمة الجمالية.

هكذا لم يُنظر كفاية إلى تأثرات وتفاعلات القصيدة الأموية مع منافسات القبائل في الحظوة والمكانة. ولم يُنظر إلى القصيدة العباسية في علاقاتها الأكيدة بفن الخط والتزويق وغيرها من تجليات الذائقة الجمالية.

وهو ما يمكن قوله، منذ ما يَقرب من القرن، في علاقات القصيدة الحديثة بالسينما حصراً.

هذا ما اختبرتُه بنفسي، منذ عدة سنوات، في درس قصيدة بدر شاكر السياب ومحمد الماغوط بفن السرد السينمائي.

وهو ما اتحقق منه أكثر فأكثر، ولا أجد في الدرس العربي ما يلبي هذا النقص الأكيد.

ما استغربُه هو أن النقاش الذي افتتحَه الراحل العزيز، د. جابر عصفور، حول أن العصر هو عصر الرواية، ولم يعد عصرَ الشعر، يبقى في حدود النظر القديم إلى دور الشعر، لكنه ينقله الى الرواية.

ما يغيب - وهو ما سبق ان ناقشتُه مع عصفور-، هو... السينما، فهذا العصر عصرُها (مع الصورة بكل تجلياتها)، وهو ما سيفعل فعله البنائي والجمالي في بناء السرد، وفي بناء القصيدة (ولو بنسبة أقل، بسببِ غلبةِ التعبير الغنائي في غالب الشعر العربي الحديث).

الشاعر، والروائي، والدارس، والقارئ، يتثقف صوريا، سينمائيا، اكثر من ثقافته القرائية.

هؤلاء يعودون، في وعيهم وتطلعاتهم، إلى الخطاب الكتابي، لكنهم يقتاتون يومياً من ثقافة الصورة، بوعي أو من دون وعي.

وخلاصة ما أريد التشديد عليه، هو أن "ثقافة الصورة" لا تزال خفيفة الحضور الثقافي والأدبي والفني، فيما انحاز العالم المتقدم إليها، حتى في الأدب.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.