بعد أكثر من 50 عاماً من العمل في الفنون التشكيلية، تجمع سيرتك الذاتية ومسارك الفنّي في كتاب. كيف ولدت هذه الفكرة وماذا اردت أن توصل عبرها؟
هذا الكتاب ليس فكرة فحسب. انه مشروع حلم راودني منذ سنوات وقد انتظرت الوقت المناسب لإصداره بعد تخطيط وبحث معمقين في الأرشيف الفني الكبير الذي جمعته خلال مسيرتي الفنية والحياتية. فيه أجمع بين ما أبدعته في الفن مع تأثيرات الحياة بكل تفاصيلها. والهدف تثبيت كل تجاربي الفنية من رسم ونحت وكتابات عن الفن وخفاياه وليكون هذا المجلد الكبير والشامل مرجعاً فنياً يغني المكتبة الفنية في لبنان والخارج لأنه بثلاث لغات، العربية، الفرنسية والانكليزية وهو بمثابة مرجع جوّال ومتحف بين أيدي محبي الفن.
على أي أساس اخترت الاعمال التي أردت تضمينها في الكتاب وهل من لوحاتٍ وتماثيل لم تضعها فيه لعدم اتساع المساحة وندمت على ذلك؟
بشكل عام كلّ انتاجي الفني يمثلني وهو جزء من مساري الطويل. انتقيت الأعمال الأكثر تمثيلاً لكل تجربة ولجودة تصويرها. وحكماً كان لا بد من تقليص عدد اللوحات والمنحوتات لغزارة انتاجي. اخترت ما اخترته ولست نادماً بل اني فرح لولادة هذا المجلد الذي يمثلني خير تمثيل.

كم استغرق معك هذا المجلد الواقع في 565 صفحة والمحتوي على أكثر من 1100 صورة وما هي الصعوبات التي واجهتك لاصداره؟
عملت عليه مدة ثلاث سنوات متتالية بين 2017 و2020. كان عملاً شاقاً ومرهقاً ومكلفاً للغاية. وقد أصدرته على نفقتي الخاصة وموّلته من مردود الأعمال الفنية من دون مساعدة أي جهة ممولة.
جمعت بين الفن والرسم. كيف توفق بينهما وأي من الفنين يطغى أكثر على أعمالك؟
طوال مساري الفني كان همي الجمع بين الرسم والنحت فولدت اللوحة المنحوتة والقماشة المنحوتة والمنحوتة الملونة. بالتالي أنا فنان تجريبي إختباري يهوى المزج بينهما فلا أفضلية لواحد على الآخر.
تأثرت بمعلمك رشيد وهبة هـــــــل من آخرين علّموا في مسيرتك؟
صحيح ان المعلم رشيد وهبة نصحني بدراسة الفن بمعهد الفنون الجميلة وكان مثالاً لنا نحن طلاب السنة الأولى لكني لم أتأثر به فنياً ولا بغيره. استفدت من توجيهاتهم الفنية والجمالية والتقنية لأنطلق نحو اكتشاف ذاتي وخصوصيتي وبصمتي.

اخترت الرسم والنحت رغم انك تنحدر من أسرة بنائين. هل ندمت على هذا القرار؟
عمل اخوتي وابي في العمار. وعيت على الدنيا وعدّة النحت بين يدي وانا الابن الأصغر في عائلة كبيرة. جرّبت هذه الأدوات وعشقتها واستعملتها في حفر الحجارة ونحتها وانا يافع. لم أسر على خطى العائلة بل أكملت دراستي لأصبح فناناً وأنا سعيد بما أنا فيه وأشكر ربي على هذه النعمة.
حوّلت قسماً من بيتـــــــك العائلي الى صالة عرض لأعمالك هل تؤمن بالبيت - المعرض وماذا تعني لك المشاركة بمعارض دولية؟
المنزل العائلي تحوّل كله الى صالة عرض. أقمت لغاية الآن اربعة معارض فيه وأنوي تحويله مستقبلاً الى متحف ثابت يضم مجموعاتي الخاصة. أنصح كل فنان منتج أن يؤسس بيتاً لأعماله فينقذها من الضياع. أما المشاركة بمعارض دولية خارج لبنان فضرورية لانتشار اسم الفنان وأعماله وقد شاركت بكثير منها.

تخرّجت من الجامعة اللبنانية بدبلوم بالرسم وآخر بالسيراميك من روما لترأس لاحقاً قسم الفنون الجميلة بالجامعة اللبنانية. ماذا عنت لك التجربة الاكاديمية وهل تؤمن بالمواهــــــــب اللبنانية الناشئة؟
أضاف التعليم الأكاديمي الفني الى شخصيتي وانتاجي نضجاً وثراءً وقد أينعت هذه التجربة في الطلاّب الموهوبين الذين شقوا طريقهم الفنية الخاصة وهم ثروة للحركة التشكيلية اللبنانية الواعدة واني أؤمن باستمرارية الحركة الفنية عبر هؤلاء.
ما هي النصيحة التي تقدّمها لطلابك؟
عندما يختار الانسان طريق الفن عليه ان يعلم بأن سبله شائكة ومتعرجة فعليه ان يتحلى بالصبر والعناد والمكابرة والثقة بالنفس. أنصحهم بألا يفكروا بالمادة لصالح الجمالية. الآنفة وعزة النفس من أجمل مزايا الفنان وبدونهما ينحدر الى المساومة على مستواه وقناعاته.

ماذا تعني لك الشهرة العالمية وهل تعتقد أنك وصلت إليها ونلت التقدير الكافي في بلدك ام عاتب على الدولة؟
كل فنان يحلم بأن تنشر أعماله في وطنه وخارجه. ولا ترتكز هذه الشهرة على مجهود الفنان وحده، بل تؤدي الظروف والفرص دورها. وهذا المجلد الكبير الذي أصدرته أكبر دليل على سعيي للوصول الى اكبر عدد من المهتمين بالفنون في بلدنا وفي أقاصي الأرض لأنني أعتبر الكتاب هذا معرضاً أو متحفاً جوالاً وسفيراً لأعمالي وافكاري من خلال لغاته الثلاث. ولست عاتباً على احد لاني تيقنت من بداياتي الفنية وما عاينته من حالات سابقة لفنانين كبار سبقونا في عالم الفن، ان بلادنا ومجتمعنا لا يهتم كثيراً للأمور الجوهرية في حياة الشعوب. لذلك اعتمدت على نفسي وعملت وحيداً في انشاء محترفي وطبعت كتابي على نفقتي الخاصّة وانوي انشاء متحفي الشخصي من دون اللجوء الى التسول خصوصاً لايماني بأن أعمالي وانتاجاتي الفنية كفيلة بتمويل كل ما احلم به.
هل من استمرارية للفن في بلدٍ يغرق في فقر مدقع؟
لا يجوز ربط العمل الفني بالأضواء والمادة فحسب. الفن الحقيقي هو وجع الناس وفقرهم ومعاناتهم وتزدهر الفنون في أوقات الشدة والحروب والأحزان ولأن الفنان الحقيقي هو مرآة لمجتمعه ووطنه وينشط التعبير الفني في بلاد تعصف بها الأزمات المالية والاجتماعية لأن تلك الظروف الفعلية للتعبير الصادق عبر الابداع الثقافي والفني.
ماذا ينقص مجتمع الفن التشكيلي والنحت في لبنان كي يزدهر وما رأيك بدور الدولة هنا؟
أطالب هنا بوقف تدخّل الدولة عبر وزارة الثقافة والاعتماد على مجهود الفنان الخاص وحده فالتدخلات السياسية أعطت فكرة مغايرة عن مستوى الفن في بلادنا خصوصا من خلال اقتناء الوزارة أعمالاً لفنانين لا يستحقون ذلك.

لو طلبنا إليك شراء عملٍ لرسام أو نحاتٍ لبناني من تختار؟
اقتنيت أعمالاً لاستاذَيّ جان خليفة وحليم جرداق الذي أعتبره نموذجاً للفنان الناسك المتعبد للفن والمفكر والمنظر لفلسفته الفنية العميقة وكذلك لصديقي واستاذي رفيق شرف فنان الفروسية والرومانسية والفخر، وصديقي محمد الرواس المتميز بالعقلانية المدوزنة على معايير الدقة في التأليف والأناقة. وفي النحت اقتنيت عملاً نحتياً للزميل زافين هاديستيان ذي الأسلوب المبسط والتعبير الانساني الرقيق.
قلت ذات يوم: "لن أستريح وأملّ حتى تنضب علب الألوان من مخزنها. ولن أستسلم للضجر ولن أتعب حتى القيامة. سأبتكر الاحتمالات حتى آخر الأنفاس" هل يهمك ان تكون غزير الانتاج؟
أؤمن بأنّ الشغف الفني يدفع الفنان الى العمل ويحمسه على ذلك. الفنان نبعٌ لا ينضب وتراكم التجارب والاختبارات لديه أسس توصله الى مكامن الجمال والتميز.

هل تفكر بتوثيق مسيرتك سينمائياً؟
كأنك تقرأ أفكاري مسبقاً! أحلم بشريطٍ وثائقي عن تجاربي الفنية وحياتي المهنية والحياتية. وأخطط لهذا العمل مع مجموعة من الاختصاصيين التقنيين في هذا المجال وعلى رأسهم ابني الخوري ميراب الحكيم رئيس الدائرة الاعلامية في أبرشية انطلياس المارونية. ويعزّز صدور كتابي هذه الفكرة ويدفعها نحو التجسّد.