جاد حداد

فحص دم جديد لتشخيص مستوى الإكتئاب

5 دقائق للقراءة


قد يسمح نظام حديث لمراقبة المؤشرات الحيوية الدموية التي ترتبط بالاضطرابات المزاجية بابتكار طرق جديدة لتشخيص ومعالجة الاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب انطلاقاً من فحص دم بسيط.

الاكتئاب اضطراب معروف منذ قرون، وهو يصيب مئات ملايين الناس حول العالم، لكن لا يزال التشخيص التقليدي يرتكز على تقييمات عيادية يجريها الأطباء وعلماء النفس والمعالجون النفسيون.

بشكل عام، قد تُوجّه فحوصات الدم التقييمات الصحية للتأكد من ارتباط أعراض الاكتئاب بعوامل أخرى، لكنها لا تُستعمَل في الممارسات العيادية لتشخيص هذه الحالة بطريقة موضوعية ومستقلة. يشير البحث الجديد إلى احتمال أن يصبح هذا الخيار عملياً في المستقبل.

في الدراسة الجديدة، رصد الباحثون 26 مؤشراً حيوياً في دم المرضى (إنها مؤشرات قابلة للقياس وموجودة طبيعياً في الدم)، وهي ترتبط بدرجات متفاوتة بأنواع من الاختلالات المزاجية، منها الاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب والهوس.

يقول الطبيب النفسي وعالِم الأعصاب ألكسندر ب. نيكوليسكو من جامعة "إنديانا": "بدأت المؤشرات الحيوية في الدم تُعتبر أدوات مهمة لرصد الاضطرابات التي يصعب الاتكال فيها على شهادات المرضى أو الانطباعات العيادية التي يطرحها الأطباء. تستطيع فحوصات الدم الجديدة أن تفتح المجال أمام مطابقة شخصية ودقيقة مع الأدوية ومراقبة موضوعية لطريقة تجاوب المرضى مع العلاج".

استكشف نيكوليسكو هذا المجال طوال سنوات، فطوّر فحوصات مشابهة بناءً على المؤشرات الحيوية في الدم لتسهيل توقّع الميول الانتحارية لدى المرضى، وتشخيص الألم الحاد، وتقييم مستويات اضطراب ما بعد الصدمة.

امتدت الدراسة الجديدة على أربع سنوات تعاون الباحثون خلالها مع مئات المرضى من "مركز ريتشارد ل. رودوبوش الطبي" في "إنديانابوليس"، فأجروا سلسلة من الاختبارات لتحديد المؤشرات الحيوية المرتبطة بالتعبير الجيني في الدم والتأكد منها لأنها قد تكون على صلة بالاضطرابات المزاجية.

عند زيارة مصابين بالاكتئاب وافقوا على المشاركة في البحث، خضع مزاجهم للمراقبة في كل جلسة (تراوحت حالاتهم بين درجة خفيفة وحادة)، وأخذ العلماء أيضاً عينات من دمهم في تلك الفترة.

قارن الباحثون تلك العينات بقاعدة بيانات ضخمة شملت معلومات مستخلصة من 1600 دراسة حول علم الوراثة البشرية والتعبير الجيني والتعبير البروتيني، فرصدوا سلسلة من المؤشرات الحيوية المرتبطة بالاضطرابات المزاجية، ثم حصروا اللائحة بـ26 مؤشراً حيوياً محتملاً بعد التأكد من نتائجهم لدى مجموعة ثانية من المرضى.

خلال اختبار أخير، راقب الباحثون مجموعة أخرى من المرضى النفسيين لتقييم مدى قدرة المؤشرات الحيوية الستة وعشرين على تقييم المزاج وتشخيص الاكتئاب والهوس لدى المشاركين، فضلاً عن توقّع نتائج أخرى مثل احتمال دخول المستشفى مستقبلاً.

بعد اتخاذ هذه الخطوات كلها، يقول الباحثون إن 12 مؤشراً حيوياً أثبت ارتباطه بالاكتئاب، وقد ارتبطت ستة مؤشرات مشابهة بالاضطراب ثنائي القطب، ومؤشران آخران بالهوس.

يكتب الباحثون في تقريرهم: "لا تعكس جميع التغيرات في تعبير الخلايا المحيطية طبيعة النشاط الدماغي ولا ترتبط بها بالضرورة. من خلال تعقب النمط الظاهري بحذر بناءً على تصميمنا الداخلي في مرحلة الاستكشاف ثم استعمال علم الجينوم الوظيفي المتقارب، يمكننا أن نرصد التغيرات المحيطية التي تتعقب النشاط الدماغي الخاضع للدراسة وتؤثر عليه، أي الحالة المزاجية واضطراباتها في هذا البحث".

يظن الباحثون أن مقاربتهم الطبية الدقيقة لا تكتفي بتقييم الميل إلى الاكتئاب أو أي اضطرابات مزاجية أخرى لدى المرضى، بل إنها قد تسهم أيضاً في تسليط الضوء على أفضل الأدوية لمعالجة هذه الحالات عن طريق المعلوماتية الحيوية. وفق نتائج هذه الدراسة، قد تعطي مجموعة أدوية غير مرتبطة بمكافحة الاكتئاب المفعول المنشود عند استعمالها كمضادات اكتئاب (مثل بيندولول، وسيبروفيبرات، وبيوغليتازون، وأديفينين). حتى أن مركّبات طبيعية مثل الأسياتيكوزيد وحمض الكلوروجينيك تستحق الاستكشاف أيضاً.

من بين أبرز الجينات المتعلقة بالمؤشرات الحيوية التي تنذر بوجود اضطرابات مزاجية، يقول الباحثون إن ثمانية جينات ترتبط بوظيفة الساعة البيولوجية، ما قد يطرح تفسيراً جزيئياً للروابط القائمة بين حالات مثل الاكتئاب وعوامل مثل اضطراب النوم.

يوضح نيكوليسكو: "هذه الآلية قد تفسّر سبب تدهور حالة بعض المرضى تزامناً مع التغيرات الموسمية وتبدّل أنماط النوم الذي يرافق اضطراب المزاج".

يحتاج فحص الدم المقترح إلى إثبات علمي لتقييم المفهوم الجديد، ما يعني أن توقيت نشر هذا الفحص على نطاق أوسع لا يزال مجهولاً. لكن يأمل الباحثون في أن تُقنِع نتائجهم أوساط الطب النفسي بأن الطب الدقيق قد ينعكس إيجاباً على تشخيصات الاكتئاب وعلاجاته.

في النهاية، لن تكون التقنيات التي تُستعمَل راهناً وتخضع لتقييم الأطباء كافية لتشخيص الاكتئاب وأي اضطرابات مزاجية مختلفة لأنها تفتقر إلى أنظمة الاختبار الموضوعية التي أصبحت شائعة الاستعمال في تخصصات طبية أخرى.

أخيراً، يستنتج نيكوليسكو ما يلي: "هذا البحث هو جزء من جهودنا لنقل الطب النفسي من القرن التاسع عشر إلى القرن الواحد والعشرين ولجعله مشابهاً لمجالات معاصرة أخرى مثل علم الأورام. يتعلق هدفنا النهائي طبعاً بإنقاذ حياة الناس وتحسين نوعيتها".

نُشِرت نتائج الدراسة في مجلة "الطب النفسي الجزيئي".