يشير "كوفيد الطويل" إلى استمرار أعراض مزمنة ومُنهِكة لدى أشخاص أصيبوا بفيروس "كوفيد - 19" لأكثر من أربعة أسابيع بعد تلاشي العدوى الأولية. قد تشمل هذه الأعراض التعب، وضيق التنفس، وألم الصدر، ومشاكل معرفية، وخفقان القلب، والأرق، وطنين الأذن، وألم المفاصل.
وضعت "مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها" ظاهرة "كوفيد الطويل" في خانة الحالات التي تعيق حياة المرضى منذ تموز 2021.
يتحسن معظم المصابين بفيروس "كوفيد - 19" خلال 12 أسبوعاً، لكن لا يعرف العلماء إلى متى تستمر هذه المشكلة. حتى أنهم يجهلون عدد المعرّضين للإصابة بحالة "كوفيد الطويل". لكن تشير التقديرات إلى استمرار الأعراض المزمنة لدى أكثر من 20% من المصابين بالعدوى.
لا يعرف العلماء بعد معلومات كثيرة عن الآليات الكامنة وراء هذه الحالة التي صعّبت عليهم ابتكار علاجات فاعلة.
في السنة الماضية، نشر فريق من جامعة "ستيلينبوش" في جنوب أفريقيا نتائج تحليل يتمحور حول بلازما الدم، فتبيّن أن عدداً كبيراً من المصابين بـ"كوفيد الطويل" يحمل جلطات دقيقة.
كان رصد هذه الجلطات عبر استعمال تحليلات البلازما النموذجية صعباً، فهي تقاوم قدرة الجسم على تذويب الدم المتخثر. اكتشف العلماء أيضاً أن الجلطات "تنصب فخاً" للجزيئيات الالتهابية.
شكّل هذا البحث ركيزة لنموذج الجلطات الدقيقة الذي يفترض أن الجلطات الصغيرة التي تتشكل في الأوعية الدموية وتمنع الأكسجين من الوصول إلى الأنسجة قد تُسبب أعراض "كوفيد الطويل".
دراسة جديدةطرح فريق البحث نفسه حديثاً تفاصيل حول 845 مصاباً بحالة "كوفيد الطويل". حلل الباحثون عينات دم مأخوذة من 70 شخصاً كانوا مصابين بهذه الحالة لرصد الجلطات الدقيقة. كذلك، أعطى العلماء 24 مصاباً منهم علاجاً مزدوجاً ومضاداً للصفيحات على مر شهر كامل. خلال فترة العلاج، أخذ المشاركون 75 ملغ من دواء كلوبيدوغريل و75 ملغ من الأسبرين مرة في اليوم قبل الفطور. كما أنهم تلقوا 5 ملغ من مضاد التخثر أبيكسيبان مرتين يومياً، و40 ملغ من دواء بانتوبرازول الذي ينتمي إلى فئة مثبطات مضخة البروتون، قبل نصف ساعة من تناول وجبتهم الأساسية لحماية معدتهم.
أخذ المشاركون هذه الأدوية تحت إشراف الطبيب لتخفيف حدة أي آثار جانبية محتملة، ثم قدّموا قائمة بالأعراض التي يواجهونها قبل العلاج وبعده. كذلك، أخذ الباحثون عينات دم منهم في نهاية العلاج.
لاحظ العلماء ظهور جلطات دقيقة في دم المشاركين السبعين كلهم، وسجّلت المجموعة التي تلقّت العلاج المضاد للصفيحات والتخثر تحسناً في أعراض "كوفيد الطويل" وتراجعت فيها الجلطات الدقيقة أيضاً.
لم تخضع هذه الدراسة بعد لتقييم خبراء موضوعيين، وهي لا تدخل في خانة التجارب العيادية، ولم تشمل أي مجموعات مرجعية. كان البروفيسور أميتافا بانيرجي المشرف الرئيسي على دراسة STIMULATE ICP التي تنتظر الآن الحصول على الموافقة لإجراء تجربة عيادية. هو طبيب قلب وأستاذ في علم البيانات العيادية في جامعة "كوليدج لندن"، وقد صرّح حديثاً في مقابلة مع مجلة "ميديكل نيوز توداي": "أظن أننا نحتاج إلى إجراء تجارب على عناصر فردية قبل اختبار أي عناصر ثلاثية. في مجال طب القلب، شاهدتُ عدداً كبيراً من المرضى الذين يتلقون علاجات ثنائية وثلاثية، لكن يصاب الناس بالنزيف نتيجة هذه الخيارات. يجب أن نحرص إذاً على تجنب هذه الأضرار. أنا أعتبر العلاج الثلاثي في هذا التحليل خطوة كبيرة. عند دراسة ظاهرة "كوفيد الطويل"، تتعلق إحدى المشاكل البارزة بعدم فهمنا للآليات الكامنة وراء هذه الحالة. نحن لا نملك إلا الفرضيات. لدينا أدلة على ظهور جلطات دقيقة، ولدينا أدلة على تنشيط الخلايا البدينة التي تناسب مضادات الهيستامين، ولدينا أدلة على نشوء الالتهابات التي تناسب الكولشيسين. لكن يتأثر الوضع على الأرجح بعوامل أخرى. لذا يجب أن نُحدد خصائص المرض ونطوّر العلاجات في الوقت نفسه".
أخيراً، تقول الدكتورة ميليسا هايتمان، رئيسة قسم علاج ما بعد كورونا في مستشفيات جامعة "كوليدج لندن" وواحدة من المشرفين على دراسة STIMULATE IP: "تُعتبر الأدلة المرتبطة بالجلطات الدقيقة مثيرة للاهتمام، لكن تتعدد الأسئلة العالقة حتى الآن. يُفترض أن ترتبط هذه الآلية المقترحة بخطورة العدوى الأولية. إذا زادت الإصابات في الخلايا البطانية، قد نفترض أن أعباء الجلطات الدقيقة قابلة للتوسّع. لكن لا تتماشى هذه الفرضية مع تجربتنا العيادية حيث شاهدنا أمراضاً أكثر حدة أو خطيرة بالقدر نفسه لدى مرضى لم يدخلوا المستشفى يوماً بسبب "كوفيد - 19"، مقارنةً بحالة المرضى بعد خروجهم من المستشفى. يجب أن نجيب على هذا السؤال أيضاً انطلاقاً من هذه النتائج الأولية".