أعلنتْ منظمة الاونيسكو (باريس) عن إدراج "الخط العربي" في لائحة "التراث غير المادي". وهو مفهوم متأخر يشمل ما بقي من تراث شعوب وثقافات... قديمة في نهاية المطاف، لكنها تحظى بمكانة لدى شعوبها.
فرحَ البعض، ولا سيما حكومات عربية عديدة، بهذا القرار-الحدث، لكنه لم يحظَ، بالمقابل، على الرغم من مرور شهر وأكثر على إقراره، بإعلام عربي مناسب له.
غير ان هذا القرار لم يقر بسهولة. فتركيا وإيران عملتا، في أروقة المنظمة الدولية، على نزع صفة "العربي" عن هذا الخط: بحجة ظاهرية، وهو انه "إسلامي"، وبحجة ضمنية، وهي ان كل دولة منهما تعتبر انها صاحبة هذا الفن الأولى.
هذا ما يتكرر في قناعات ودعايات في هاتين الدولتين عن الخط العربي، فيما تروّج ايضاً كل دولة منهما انها صاحبة الفن الإسلامي ايضاً.
الظريف في هذه الدعاية هو انها تستعيد احكاماً لدى دارسين اوروبيين كانوا يُنكرون نسبة اي فن، اي صنيع جمالي، إلى... العرب: كانوا يَسوقون هذه الأحكام في الوقت الذي كانت فيه دولُهم (في النصف الثاني من القرن التاسع عشر) تستعد لاستعمار الولايات (العثمانية) العربية، إن لم تكن قد استعمرتْها، أو احتلتْ أراضي فيها.
مثل هذه الدعاوى التركية والإيرانية سمعتُها بنفسي من خبراء من هذين البلدين في مناقشات جانبية في مؤتمرات وندوات دولية، ما كان يبدو لي مثل دعابة، او طلباً للمشاكسة الثقافية من قبلهم.
إلا أن الجديد في الأمر هو هذا "التنطح" من كل دولة منهما للتصدر السياسي باسم الإسلام، ولكن بذريعة ثقافية وفنية.
وهو تنطحٌ يستقوي بما تَعمل عليه سياسات هذين البلدين في العالم العربي، اي استتباع ما تقوى عليه كل دولة منهما من المجموعات العربية، ومن الإرث العربي والإسلامي.
في حمّى هذا الجدل، يَسقط تاريخ الخط، في قديمه (إذ هو عربي)، وفي متأخره ايضاً (إذ للأندلسيين والمغاربة والفرس والعثمانيين وغيرهم إسهامات نوعية أكيدة في طرزه وجماليته).
لا أحد يُنكر إسهامات العثمانيين، ولا الفرس بدورهم، في هذا الفن. وهو ما يصحّ في الخطاطين الأتراك الذين يتابعون التفنن في الخط وفق قواعده القديمة اكثر من الخطاطين العرب، اليوم. وهو ما يصحّ في تجارب إيرانية تجديدية (في عهد الشاه تحديداً) في توظيف الخط العربي في اللوحة الحديثة، والمعروف باسم: "مدرسة ساغا خانه".
فلماذا العبثُ بهذا التاريخ الفني والثقافي بهذه الخفة، والجالبُ لمزيد من عسر الحوار بين هذه المكونات الثلاثة في هذا التاريخ المشترك؟!
وهو عبثٌ لا يقل كلفة عن الكلفة المادية الباهظة الجارية في هذه المكونات، ومع بعضها البعض.