خالد أبو شقرا

"المنظومة الحاكمة تدمّر مظلات الحماية الاجتماعية"

هشّموا الضمان الاجتماعي... بعدما همّشوه!

24 كانون الثاني 2022

02 : 01

اديب ابو حبيب

عصفت الأزمة الاقتصادية بـالصندوق الوطني للضمان الإجتماعي، فشلّعت سقف الحماية الإجتماعية من فوق رأس ثلث الشعب اللبناني على الأقل. حال «الصندوق» لم يكن «زهرياً» قبل العام 2019، لكنه كان يضفي «ألوان» التقديمات العائلية، وتعويضات نهاية الخدمة، وبدلات المرض والأمومة، المائلة إلى البهتان، على حياة ما يقارب 1.4 مليون مواطن. اليوم استحالت الألوان الشاحبة أسود كاحلاً، رامية المضمونين في «مظالم» الفقر المتعدد الأبعاد. 

تقديمات الصناديق الثلاثة التي يقوم عليها الضمان الاجتماعي تراجعت بشكل متوازٍ مع انهيار العملة الوطنية. ففقدت 90 الى 95% من قيمتها.

حصة الضمان من فاتورة الاستشفاء تراجعت من 90% إلى حدود 4.5 الى 6% فقط على سعر صرف بين 20 و 30 ألف ليرة للدولار، وارتفع ما يفترض أن يتحمله المريض من 10% إلى 95%.

الأمر نفسه انسحب على تعويضات نهاية الخدمة التي يقدر متوسطها بـ 30 مليون ليرة، فأصبحت تشكل بين 1000 و1500 دولار بعدما كانت تقدر بـ 20 ألفاً.


التحوّط كان ممكناً


رب قائل أن الضمان الاجتماعي لا يعيش على جزيرة منفصلة، وإصابته بعدوى الانهيار النقدي أمر محتوم، وهذا فيه جزء من الصحة. لكن المسؤولية تفترض السؤال إن كان من الممكن تلافي "تكسر" كل قضبان "مظلة" الحماية الاجتماعية، واستمرار التغطية بما يكفل استمرار فلسفة الضمان وما تحتمه شرعة حقوق الانسان؟

الإجابة على هذا السؤال تأخذنا في مسارين مختلفين الأول تاريخي، والثاني آني، لنكتشف في نهاية المقام إن كانا سيلتقيان على النفي أو الايجاب.

منذ نشأته في العام 1963 ظل الضمان الاجتماعي مصدر جدل واسع بين "النخبة" المتمثلة بالقوى السياسية وأرباب العمل من جهة، والعمال والنقابات من جهة ثانية، حول دوره والمشمولين به وتمويله وحجم تقديماته... إلا أنه بعيداً عن فلسفة التعاقد الاجتماعي، ساد التطبيق الكثير من الاخطاء. فالمبدأ الأساسي الذي تقوم عليه صناديق الضمان الاجتماعي والتقاعد، هو تجميع اقساط المشتركين لسنوات وتوظيفها في قنوات استثمار منخفضة المخاطر، من أجل تقديم الخدمات الصحية للمحتاجين (خصوصاً في مرحلة التقاعد) وتوفير تعويضات تحمي شيخوخة العاملين من الفقر وتمكينهم من بعض العيش الكريم.

وانطلاقاً من هذه الموارد الخاصة بالضمان عبر الاشتراكات وصلت الموجودات حوالى 13500 مليار ليرة. رقم كبير كانت قيمته قبل 2019 حوالى 9 مليارات دولار، واليوم قيمته 675 مليون دولار على سعر صرف 20 ألف ليرة.



عجز تاريخي.. والاسباب عشرة

يذكر ان "الضمان" كان عاجزاً تاريخياً، والأسباب عشرة:

• نسبة الإنفاق المرتفعة على القطاع الصحي في لبنان وهي ضعف المتوسط العالمي، وهو الأمر الذي بدأ يستنزف صندوق نهاية الخدمة ويهدّد استمراريته، حيث بلغت السحوبات منه لصالح المرض والأمومة حوالى 14.6%. إذ إن قيمة فاتورة الإنفاق الصحي تفوق 1000 مليار ليرة سنوياً، 45% منها تذهب الى الدواء.

• نسبة الإدخال المرتفعة الى المستشفيات على نفقة الضمان الإجتماعي، والتي تقدر بحوالى 22%، في حين أن هذا الرقم لا يتجاوز 13% في تعاونية موظفي الدولة، ويقدّر المتوسط العالمي بـ 12%.

• عدم تصريح أرباب العمل عن الأجــــور الحقيقية للموظفين.

• عدم إدخال كل العمال في الضمان.

• الديون المتراكمة على الدولة منذ عقود حتى وصلت إلى 5000 مليار ليرة.

• توظيف نحو 6000 مليار ليرة في سندات الخزينة.

• عدم المحافظة على استقلالية الصناديق. وهذا ما تمثل في الاستدانة الكبيرة من صندوق نهاية الخدمة لتمويل عجز صندوق المرض والأمومة.

• اتخاذ قرارات غير مدروسة لمصلحة أرباب العمل مثل تخفيض الاشتراكات لصندوق المرض والامومة من 15% (12% على أرباب العمل و3 % على العمال) إلى 9%.

• تخفيض اشتراك التعويض العائلي من 15% إلى 6%. من دون أي دراسات إكتوارية (تقيم حجم المخاطر وتقارن بين النفقات والايرادات عبر الزمن).

• عدم تعيين مجلس إدارة جديدة مكان الحالي المنتهية ولايته منذ العام 2007.


مشاكل الدواء والاستشفاء


عضو مجلس الإدارة السابق في الضمان الاجتماعي النقابي أديب أبو حبيب يؤكد على أنه كان بالامكان تلافي الانهيار في الضمان لو اتخذت مجموعة من الاجراءات. منها على سبيل الذكر لا الحصر الاستمرار بتجربة استيراد الدواء مباشرة عبر الضمان، والتي كان من شأنها تخفيض الاعباء عن "كاهله" بشكل كبير. إلا أن الخطأ الذي حصل في ثمانينات القرن الماضي هو شراء الضمان للأدوية وتوزيعها على الصيدليات، فما كان من محتكري الأدوية إلا أن اتفقوا مع الصيدليات على عدم بيع الدواء للمضمونين بحجة نفاده. فتوقف الضمان عن استيراد الادوية التي تشكل نسبة كبيرة من الانفاق الصحي (45%)، فيما كان الاجدى بالضمان انشاء الصيدليات المخصصة للمضمونين في فروعه المنتشرة في المناطق وهذا ما لم يحدث.

كما كان بامكان "الضمان" إنشاء أو استثمار وإدارة مستشفياته الخاصة (مستشفى البترون مثالاً)، لتخفيض الاكلاف الاستشفائية بشكل كبير جداً الناتجة عن ضعف الرقابة على المستشفيات الخاصة، و"اتفاق" بعض إداراتها في كثير من الاحيان مع المراقبين لتضخيم الفواتير وحشوها بما هو ليس ضرورياً.

هذه الأخطاء التاريخية بحسب أبو حبيب، أضيف اليها توقف الدولة عن تسديد الاشتراكات عن المضمونين من مياومين وموظفي المصالح المستقلة، فتراكمت الديون حتى وصلت إلى 5000 مليار ليرة عشية الأزمة.


التوظيف في الريع


المخالفات لم تتوقف، فـبدلاً من أن يوظف فائض الأموال في القطاعات المنتجة على غرار التجربة الأردنية او ترك حرية الاختيار للاستثمار في ادوات قليلة المخاطر في الاسواق المالية الدولية مثل سندات الخزينة الاوروبية او الاميركية، ألزم الضمان بوضعها في سندات الخزينة اللبنانية المعرضة لمخاطر عجوزات الموازنة وهدر المال العام. يقول ابو حبيب: "كما جرى التصدي لكل الاقتراحات التي أريد منها المحافظة على قيمة الوفر المحقق في الفترة السابقة من خلال تحويلها من الليرة إلى النقد النادر (او العملة الصعبة).

عدا عن ذلك لم تكن هناك رؤية واضحة لمستقبل الضمان الذي يمثل أهم مكسب للحركة العمالية بعد قانون العمل اللبناني. وبحسب أبو حبيب فان هناك ما لا يقل عن 50 في المئة من المؤسسات لا تسجل عمالها في الضمان، أين التفتيش ودور وزارتي العمل والمالية".

العبث السياسي


باختصار من بعد تجربة "أبو الضمان" المدير العام للضمان الاجتماعي منذ العام 1965 ولغاية 1983 رضا وحيد، لم تعد الامور في الضمان على حالها. فخضع للضغوط السياسية والتوظيفات الزبائنية، "حتى وصل بهم المطاف إلى إنشاء فروع سياسية"، حسب أبو حبيب. "فوصل عدد الموظفين، على سبيل المثال لا الحصر، في فرع زغرتا المكون من ثلاث غرف إلى 35 موظفاً". فكل ما عمل به في السنوات اللاحقة كان عكس المرسوم للضمان الاجتماعي.


المسار الآني... سوداوي أكثر


المسار الآني للضمان الاجتماعي يأخذنا في الوجهة التاريخية نفسها، التي توصل إلى خراب المؤسسة. وبحسب أحد أعضاء "المرصد اللبناني لحماية حقوق العمال"، هناك 4 إجراءات متخذة آنياً تؤدي إلى تقويض المؤسسة وهي:

• إصدار وزير المالية قراراً مخالفاً للقانون علق بموجبه طلب الجمارك من المؤسسات المصدرة والمستوردة براءة ذمة من الضمان الاجتماعي. أتى تعليق العمل بالزامية براءة الذمة بمثابة رصاصة الرحمة على الضمان. ذلك أن 90 في المئة من إيرادات الضمان تتأتى من المؤسسات المجبرة على الاستحصال على براءة الذمة.

• رفض أصحاب العمل إحتساب الزيادات التي تعطى على الأجور من ضمن أساس الراتب الخاضع للاقتطاع منه لحساب الضمان.

• رفض هيئة التشريع والاستشارات طلب استيفاء الضمان للاشتراكات عن الرواتب المحددة بالعملة الأجنبية، وعن المبالغ المدفوعة بشكل استثنائي بسبب الأزمة على غير سعر 1507.5".

• تضمين مشروع موازنة 2022 نصاً في المادة (124) على تقسيط الديون والفوائد كافة المتوجبة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على الدولة لغاية نهاية 2021 على أقسام متساوية لمدة 10 سنوات، على ان يبدأ التقسيط قبل نهاية شهر أيلول المقبل. وعليه سينال الضمان 500 مليار ليرة سنوياً تشكل اقل من 25 ألف دولار. وهذه هي المرة الثالثة التي يجري تشريع تقسيط مستحقات الضمان على 10 سنوات من دون الإلتزام. كل ما وصل للضمان من مبالغ في فترة التقسيط الثالثة التي بدأت في 2019 هو 500 مليار ليرة من سندات خزينة و200 مليار نقداً.

وضع اليد على الأموال


ما جرى في الماضي وما يجري اليوم يشكل التطبيق الفعلي للسياسات الهادفة إلى وضع اليد على الأموال الموجودة في الضمان، لإطفاء جزء من الدين العام وإلغاء الضمان وإلحاقه كدائرة في وزارة الصحة لمساعدة الفقراء"، بحسب المصدر المشكك في نوايا المنظومة السياسية والمالية الحاكمة. "فهل يريدون القضاء على كل الإدخارات الموضوعة وإلغاء مفهوم دولة الرعاية والحماية الإجتماعية من خلال إلغاء الضمان؟".

بالعودة إلى السؤال الذي طرحناه في بداية التحقيق، يبدو أن الجواب هو "نعم" كان بالامكان حماية الضمان من ترددات الانهيار النقدي والمحافظة على مدخرات العمال ومكتسباتهم. إلا أن الهدف ربما كان ولا يزال تهشيم الضمان او تهميشه.

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.