وفق مقالة مشتركة نشرتها أكثر من 200 مجلة طبية في وقتٍ سابق من هذه السنة، يُعتبر التغير المناخي أكبر تهديد على الصحة العامة حول العالم، وقد عبّرت هيئات صحية مرموقة، مثل منظمة الصحة العالمية، عن مخاوف مشابهة.
يشمل التغير المناخي مشاكل مثل ارتفاع درجات الحرارة ومستوى البحر، وزيادة أحوال الطقس المتطرفة مثل الفيضانات، والجفاف، والأعاصير، وحرائق الغابات.
قد يؤثر التغير المناخي أيضاً على صحة البشر بطرقٍ متنوعة، منها ارتفاع الحرارة، وندرة المواد الغذائية، وتلوث الهواء، وانتشار الأمراض المعدية.
لكن تبقى الآثار الصحية للتغير المناخي معقدة وغير مفهومة بالكامل، لذا يجب أن يفهمها خبراء الصحة بطريقة شاملة كي يقدّموا الرعاية المناسبة للمرضى.
تهدف مراجعة منهجية جديدة إلى تحديد أثر الاحتباس الحراري على الاضطرابات العصبية. حللت هذه الدراسة أبحاثاً سابقة كانت قد راقبت مفعول درجة الحرارة المحيطة على وتيرة الاضطرابات العصبية الحادة وخصائصها العيادية ومعدل الوفيات بسببها.
قد يجعل التغير المناخي بعض أجزاء العالم غير صالح للسكن بسبب الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وأحوال الطقس المتطرفة الأخرى، ما يؤدي إلى نزوح جماعي للسكان وظهور ما يُسمى لاجئي المناخ.
حللت الدراسة أيضاً أبحاثاً تُقيّم الاضطرابات العصبية لدى المهاجرين لفهم تأثيرها على صحة الدماغ لدى لاجئي المناخ.
تبيّن أن ارتفاع درجة الحرارة المحيطة بسبب الاحتباس الحراري قد يؤدي إلى تفاقم أعراض الاضطرابات العصبية وزيادة حالات دخول المستشفى ومعدل الوفيات.
كانت تداعيات الهجرة على وتيرة الاضطرابات العصبية أكثر تنوعاً، وقد تأثرت أيضاً بالعوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
لكن تبقى هذه النتائج أولية برأي المشرفين على الدراسة، ولم تكن الدراسات الخاضعة للتحليل تهدف في الأساس إلى تقييم أثر التغير المناخي على الاضطرابات العصبية والممارسات العيادية.
نُشِرت نتائج الدراسة في مجلة "بير جي".
ارتفاع درجة الحرارة المحيطةلفهم آثار الاحتباس الحراري على الاضطرابات الدماغية، راجع المشرفون على الدراسة الجديدة أبحاثاً سابقة كانت قد حللت أثر ارتفاع درجة الحرارة المحيطة على ظهور أعراض اضطرابات عصبية حادة.حلّل الباحثون أيضاً دراسات تُقيّم الرابط بين درجة الحرارة المحيطة ومعدلات دخول المستشفى والوفيات بسبب تلك الاضطرابات.
شملت الاضطرابات العصبية التي حللها الباحثون مرض الزهايمر، وأشكالاً أخرى من الخرف، والتصلب المتعدد، والباركنسون، والصداع النصفي، والصرع، والجلطات الدماغية. راجع الباحثون أيضاً حالات التهاب الدماغ المنقول بالقراد كمثالٍ على الأمراض المعدية التي تطاول الجهاز العصبي.
حلل الباحثون 84 دراسة واكتشفوا أن ارتفاع درجة الحرارة المحيطة يرتبط بتفاقم وضع المصابين باضطرابات عصبية. استنتجت دراسات عدة مثلاً أن ارتفاع الحرارة يتعلق بأعراض أكثر سوءاً، مثل تعكر المزاج، والقلق، والاكتئاب، وفرط الحركة، لدى المصابين بمرض الزهايمر أو شكل آخر من الخرف.
كذلك، برز رابط بين ارتفاع درجة الحرارة المحيطة وتراجع الأداء المعرفي والوظيفة الحركية لدى المصابين بالتصلب المتعدد. أدى ارتفاع الحرارة أيضاً إلى زيادة خطر دخول المستشفى وحالات الوفاة لدى المصابين بالخرف والجلطات الدماغية.
تبيّن أيضاً أن زيادة حالات التهاب الدماغ المنقول بالقراد ترتبط بارتفاع درجات الحرارة السنوية. حدّد الباحثون دراسات تشير إلى سلبيات ارتفاع الحرارة لدى المصابين بمرض الباركنسون والصرع والصداع النصفي، لكن تبقى الأدلة محدودة في هذا المجال.
آثار الهجرة
في المرحلة اللاحقة، حلّل العلماء دراسات مرتبطة بوتيرة ظهور الاضطرابات العصبية لدى المهاجرين. بعد مراجعة تسع دراسات من هذا النوع، تبيّن أن آثار الهجرة على الاضطرابات العصبية تبقى متفاوتة.
سواء زادت موجات الهجرة أو تراجعت، تتأثر الاضطرابات العصبية لدى المهاجرين بالعوامل الثقافية والاقتصادية والاجتماعية في دول المنشأ والمقصد.
كذلك، أثّرت خدمات الرعاية الصحية في دول المنشأ والمقصد على النتائج. زادت حالات الجلطات الدماغية مثلاً لدى القادمين من الصين أو المقيمين فيها مقارنةً بمن هاجروا إلى الدول الغربية. تنجم هذه النتائج على الأرجح عن سهولة تلقي الرعاية الصحية في الدول الغربية وعوامل ثقافية أخرى مثل زيادة استهلاك الملح في الصين.
في المقابل، تكشف إحدى الدراسات التي خضعت للتحليل أن المهاجرين من الكاريبي إلى لندن كانوا أكثر عرضة للجلطات الدماغية. كذلك، يحمل القادمون من الكاريبي قابلية وراثية للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية إذا كانوا من أصل الأفريقي.
قد يزيد احتمال تعرّض هؤلاء الأفراد للجلطات الدماغية بسبب تفاعل الخطر الوراثي مع العوامل الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالهجرة.
دراســــــة مــــــحـــــــدودة
ذكر الباحثون أن الدراسات التي تُحلل أثر ارتفاع درجات الحرارة على هذه الاضطرابات العصبية رصدت تغيراً ملحوظاً في المنهجية المعتمدة وطريقة تصميم الدراسة. كذلك، لم تكن أي واحدة من الدراسات الخاضعة للمراجعة تهدف إلى معالجة أثر الاحتباس الحراري والهجرة المرتبطة بالمناخ على الاضطرابات العصبية.
على صعيد آخر، يبدو أن معظم الدراسات التي أجراها العلماء حصلت في دول أكثر ثراءً. لكن تتفاوت آثار التغير المناخي التي يختبرها الناس في الدول ذات المداخيل المنخفضة وفي المجتمعات المحرومة على الأرجح، لذا قد لا تنطبق النتائج النهائية على جميع الفئات. يعترف الباحثون أيضاً بأن دراستهم اكتفت بتحليل الأثر المحتمل للاحتباس الحراري والهجرة على الاضطرابات العصبية.
يترافق التغير المناخي مع ارتفاع مستوى البحر واشتداد الجفاف وتلوث الهواء وخسارة التنوع البيولوجي، ما قد يؤثر على ظهور الاضطرابات العصبية وأعراضها.
لم يشارك البروفيسور جورج بيري من جامعة تكساس في سان أنطونيو في الدراسة الأخيرة، لكنه يظن أن عوامل أخرى مثل الضغط النفسي، إلى جانب تغيّر درجة الحرارة المحيطة، قد تكون أكثر تأثيراً على عواقب التغير المناخي.
يوضح بيري: "من المعروف أن الاحتباس الحراري يزيد الضغط النفسي والارتباك، ما يُمهّد لنشوء أمراض مثل الزهايمر. في سياق التدهور البيئي المتزايد اليوم، لا سيما تلوث الهواء بالجسيمات، والتنافس على الموارد، والصراعات المستمرة، يُعتبر التغير المناخي واحداً من عوامل عصبية عدة يجب أن نُخفّف آثارها أو نُعدّلها للحفاظ على صحة البشر حول العالم وسلامة الكوكب عموماً".