لقد فشلت الديبلوماسية الروسية في اقناع الغرب بشروطها لاخراج أوكرانيا من دائرة الاهتمام التي باتت تتمتع به مشكلتها وتحتلّ كلّ الشاشات والصفحات في الوسائل الإعلامية. لم ينتج لقاء بلينكن - لافروف في جنيف الجمعة الماضي أي تسوية وفقاً للتوجهات الروسية التي حاولت الحصول عليها تحت شعار الحفاظ على أمنها القومي المهدد، في حال تم قبول عضوية أوكرانيا وجورجيا في حلف الناتو، ورفضت موسكو النقاش بأي حلول لهذه الأزمة التي اندلعت علنياً في بداية الصيف الماضي بعد مناورات عسكرية أجرتها في البحر الأسود.
لكن الديبلوماسية الأوكرانية استطاعت استقطاب أعداد كبيرة من دول أوروبا، ما دفع البريطاني والأميركي للدخول الى البحر الأسود وإرسال رسالة قوية لروسيا، الأمر الذي دفع الأخيرة الى التحضير لعملية عسكرية واسعة ضد أوكرانيا تُحدث تغييراً جذريّاً في المعادلة السياسية يتوافق مع المعلومات الإستخباراتية الغربية، التي تتحدّث عن نوايا بوتين وسيناريو الحرب لغزو أوكرانيا من خلال 4 محاور وصولاً الى خاركوف واحتلال كييف وتغيير النظام الأوكراني.
بوتين يعلم جيداً بأن الادارة الأميركية الحالية ضعيفة ولن تقوم بأي رد عليه في حال تنفيذ عملية عسكرية ضد أوكرانيا، وهو لا يخاف العقوبات بالرغم من أنها موجعة جداً لدولته. لكن بعد الكشف عن السيناريو الخبيث للغزو، دخلت روسيا في مواجهة ديبلوماسية وإعلامية وسياسية مع الولايات المتحدة والغرب، بالرغم من أن روسيا تعلم كلّ العلم بأن عضوية أوكرانيا لن تُقبل حاليّاً في الناتو بسبب مشكلاتها الداخلية والخارجية.
لكن روسيا رفعت سقف المطالب في تفاوضها مع واشنطن والغرب من خلال 3 شروط تعجيزية، الأولى تُطالب بالعودة الى فترة 1997 وقيام الناتو بطرد كلّ الدول التي انضمت إليه بعد هذا التاريخ، والثانية عدم دخول أوكرانيا وجورجيا الى الناتو، والثالثة سحب كلّ السلاح الذي نشر في أوروبا الشرقية وعدم السماح بنشر سلاح جديد. الأميركيون قد يوافقون على نصف الشرط الثالث بعدم نشر سلاح جديد في المنطقة، وهذا المطلب تمّ ضبطه بعد اتفاقية «ستارت 3» التي تمّت المصادقة عليها من قبل الطرفين في العام الماضي بعد رفضها من قبل إدارة ترامب السابقة.
في الوقت نفسه، لم تُقدّم موسكو أي تنازل يخص أوكرانيا من خلال السير بالإنسحاب من القرم والعمل على تطبيق إتفاق الرباعية في مينسك بخصوص شرق أوكرانيا والعمل السريع مع كييف على فتح الإستثمارات الروسية في الدولة، بالإضافة الى العمل لانتخابات مبكرة. تسير روسيا بنفس الأسلوب المتبع في حل القضايا تحت شعار حماية أمنها، وهنا لا بدّ من التذكير بأن روسيا وافقت على تحديد الخريطة الجيوسياسية لأوكرانيا، عندما وقعوا على إنهاء الاتحاد السوفياتي في العام 1991، وأرسلت الوثيقة الى الأمم المتحدة مدمغة بتوقيع الرؤساء الثلاثة لروسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا، ولم تطالب روسيا باستعادة القرم أو غيرها.
وفي اتفاقية بودابست في العام 1994 تم التوافق على تسليم السلاح الأوكراني النووي لروسيا وتدمير السلاح الإستراتيجي من خلال تمويل أميركي وبريطاني، وحماية أمن أوكرانيا من الدول الثلاث، بحسب الوثيقة الموجودة في الأمم المتحدة. فهل احترمت روسيا القوانين الدولية الموقعة عليها مع الآخرين لكي تعترض على انتهاك الآخرين للقوانين الدولية؟
تكمن نية بوتين في مفاوضات مباشرة مع واشنطن بعيداً عن أوروبا والمصالح الاقتصادية التي ترتبط بها مع روسيا، خصوصاً أن بوتين يعرف بأن بايدن يُريد إعادة بروكسل الى قبضته بعد أن ابتعد عنها ترامب. لكن الحلم الروسي لم يتحقق، كون بروكسل صوتت بالإجماع على معاقبة روسيا في حال غزت أوكرانيا. وتجسد الموقف الأوروبي بديبلوماسية سريعة بعدم الرضوخ لروسيا أو السماح لأميركا بالتلاعب بالمواقف الأوروبّية، التي كانت روسيا تسعى الى شق الصف الأوروبي وإبطال أي قرار موحد من قِبلهم.
لقد عقدت روسيا في 12 من الحالي لقاء مع الأميركيين، وفي 13 مع الناتو، وفي 14 مع أعضاء منظمة الأمن الأوروبي. والاجتماعات الثلاثة لم تؤدِ الى أي نتيجة. لقد كان هناك إصرار أوروبي على الوقوف الى جانب كييف وتزويدها بسلاح نوعي ودفاعي، والتهديد المباشر لروسيا بفرض عقوبات اقتصادية عليها. وحتّى زيارات الأوروبيين الى موسكو أضحت تمرّ بكييف، في رسالة موجهة الى موسكو، والتي كانت آخرها زيارة وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بربوك الى موسكو والتحدّث عن قضية خط الغاز «نورد ستريم 2»، الذي يعتبر شريان الحياة الجديد لروسيا ومن خلاله تُريد معاقبة الدول الشرقية.
من الديبلوماسية الى العسكرة
لقد حدد بوتين معالم امبراطوريته القادمة من خلال الحديد والنار، وربما حاول القول من خلال سيناريو كازاخستان الاستعراضي إنه يملك قوة لا يستهان بها، ويجب الانتباه اليها، فهناك خطوط وضعها بوتين من كازاخستان الى كاراباخ وجزيرة كالينينغراد وبيلاروسيا وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في جورجيا والقرم والدويلة الميتة في مولدوفا.
أمام هذا السيناريو الكبير باتت معركة أوكرانيا لا بد منها كي يحقق «القيصر الروسي» الطموح الذي رسمه، فالمشكلة باتت مرتبطة بشخص بوتين وعظمته في خوض المعركة التي ستكون على الشكل التالي: قضم منطقة دونباس ومحاولة الاستيلاء على مرفأ مايروبول واقتطاع أراض في الجنوب الشرقي لتوسيع رقعة الوجود الروسي على البحر الأسود، وربط القرم بطريق برية مع المناطق الجنوبية الشرقية والحصول على مياه من منابع كرسون لتغذية القرم.
لذا سيناريو الحرب أضحى حتميّاً في هذه المنطقة ذات المساحة الشاسعة. والحرب صعبة جدّاً، خصوصاً أن الأوكرانيين جهزوا أنفسهم لها من خلال كتائب عسكرية لخوض حرب عصابات نتيجة حصولهم على صواريخ «ستينغر» و»جافلين» الأميركية من دول البلطيق وبولندا، ومسيّرات من فرنسا وتركيا. كما يُشكّل الخندق الذي تمّ حفره بطول 150 كلم وعرض 4 أمتار وعمق 10 أمتار، نقطة ارتكاز في المواجهة. وهذا سيؤدي الى تكبيد روسيا خسائر كبيرة أثناء المواجهات، من هنا تأتي محاولة المناورات في الشمال الغربي مع بيلاروسيا للإلتفاف على الخندق.
ولتلافي الخسائر قد تستخدم موسكو الخطة الغربية في صربيا العام 1999 في تدمير البنى التحتية، لاستسلام كييف. لكن هذا لن يحدث لأن الغرب والناتو سيدخلان على الخط، إذ إنّ الإنتصار الروسي في أوكرانيا سيكون هزيمة للناتو وانتصاراً لروسيا وفتح شهيّتها في كلّ الإتجاهات. إذاً، روسيا مستعجلة لإنهاء المواجهة قبل انقضاء الشتاء لرفع سلاح الغاز في وجه أوروبا في حال الاعتراض، والغرب يتمهل ريثما ينتهي الشتاء من أجل تأمين البديل. إن الخسارة ستكون كبيرة لروسيا، ليس بسبب قدرات كييف العالية، وإنّما بسبب الروح المعنوية للشعب الأوكراني واستعداده للمواجهة بكلّ شراسة ضدّ الروس.