يقول إيوان آشلي، أستاذ طب وخبير في علم الوراثة وعلم البيانات الطبية الحيوية في جامعة "ستانفورد": "برأي معظم الأطباء، تكون الفترة "السريعة" مرادفة لبضعة أسابيع في مجال تجزئة الجينوم وإصدار النتائج".
تسمح تجزئة الجينوم للعلماء برؤية تركيبة الحمض النووي التي تشمل معلومات حول جميع الخصائص المهمة، بدءاً من لون العين وصولاً إلى الأمراض الوراثية. إنها تقنية أساسية لتشخيص الأمراض الراسخة في الحمض النووي: حين يرصد الأطباء طفرة جينية معينة، يمكنهم أن يبتكروا العلاجات بناءً عليها.
خلال أقل من ستة أشهر، قام الباحثون في التجربة الجديدة بتجزئة جينومات 12 مريضاً، وقد تلقى خمسة منهم تشخيصاً وراثياً استناداً إلى المعلومات التي تقدّمها تقنية التجزئة خلال مدة تساوي دوام العمل اليومي.
لتسريع عملية التجزئة، كان الباحثون يحتاجون إلى أداة جديدة. لهذا السبب، تواصل آشلي مع زملائه في شركة Oxford Nanopore Technologies التي كانت قد ابتكرت آلة مؤلفة من 48 وحدة تجزئة تُعرَف باسم خلايا التدفق. تقضي هذه التقنية بتجزئة جينوم شخص واحد عبر استعمال جميع خلايا التدفق دفعةً واحدة. حققت هذه المقاربة نجاحاً فاق التوقعات، فقد تفوّقت البيانات الجينومية على أنظمة الحوسبة في المختبرات.
حاول العلماء تسريع جميع جوانب تجزئة جينوم المريض منذ البداية وحتى النهاية. نقل الباحثون العينات إلى المختبر، وكانت الآلات الجديدة مُصمّمة لتفعيل تجزئة الجينوم، وتصاعدت قوة الحوسبة لمعالجة كمية ضخمة من البيانات. اليوم، يعمل الباحثون على زيادة فاعلية النظام لتقليص المدة بدرجة إضافية. يوضح آشلي: "أظن أننا نستطيع تخفيض المدة إلى النصف. إذا نجحنا في تحقيق هذا الهدف، قد نتمكن من معرفة الجواب المنشود قبل نهاية جولة الأطباء في المستشفيات. سيكون التغيير المرتقب جذرياً".
تستطيع هذه المقاربة التشخيصية أن ترصد أي أجزاء مشبوهة من الحمض النووي سريعاً، وقد يتعلق أهم جانب فيها باستعمال تقنية التجزئة طويلة القراءة. تقوم تقنيات التجزئة التقليدية بتقطيع الجينوم إلى أجزاء صغيرة وتحديد ترتيب الثنائيات القاعدية في الحمض النووي داخل كل جزء، ثم تعيد جمع القطع كلها عبر استعمال جينوم بشري نموذجي كمرجع موضوعي لهذه العملية. لكن لا ترصد هذه المقاربة دوماً جميع خصائص الجينوم، وقد تغفل المعلومات التي تجمعها أحياناً عن تغيرات جينية مهمة لتشخيص الأمراض. في المقابل، تحافظ تقنية التجزئة طويلة القراءة على أجزاء طويلة من الحمض النووي المؤلف من عشرات آلاف الثنائيات القاعدية، فيحصل العلماء الذين يستكشفون تسلسل الحمض النووي بحثاً عن الشوائب على معلومات دقيقة وتفاصيل إضافية.
خلال الدراسة الجديدة، اقترح فريق آشلي تقنية تجزئة الجينوم المتسارعة على مرضى لم يتلقوا تشخيصاً طبياً بعد في وحدات العناية المركّزة داخل مستشفى "ستانفورد". خضع هؤلاء المرضى لفحوصات نموذجية، فضلاً عن تقنية تجزئة الجينوم السريعة. حاول العلماء بهذه الطريقة إيجاد أجوبة على سؤالَين مهمَّين: هل يمكن لوم المعطيات الوراثية على أمراض الناس؟ وفي هذه الحالة، ما هي شوائب الحمض النووي التي تُسبّب المشكلة؟
مشكلة قلبية غامضة
كان هذان السؤالان أساسيَّين في حالة ماثيو كونزمان من ولاية "أوريغون" الأميركية. منذ سنة تقريباً، حين كان ماثيو في عمر الثالثة عشرة، اضطر للذهاب إلى عيادة الطبيب بسبب إصابته بحمى شديدة وسعال مزعج. تقول والدته، جيني كونزمان: "كنا نظن أنه مصاب بالإنفلونزا أو ربما فيروس كورونا". لكن سرعان ما تبيّن أن السعال هو أول مؤشر على التهاب عضل القلب، ما يعني أن القلب يجد صعوبة في ضخ الدم نحو بقية أعضاء الجسم. ثم أكدت الفحوصات اللاحقة في المستشفى على تدهور حالته بسبب قصور القلب. أوصى طبيبه عائلته بالسفر فوراً إلى مستشفى "ستانفورد" لتلقي الرعاية اللازمة.
بعد مرور ساعات، وصل المريض مع والده ماثيو كونزمان الأب إلى المستشفى، ثم وصلت والدته جيني في اليوم التالي ولاحظت أن وضع ابنها يتدهور لأنه بات يتكل على أجهزة التنفس الاصطناعية.
قد ينجم هذا النوع من قصور القلب لدى فتى سليم في عمر الثالثة عشرة عن سببَين محتملَين: يتعلق السبب الأول بالتهاب عضل القلب الذي ينشأ حين تطغى الخلايا المناعية على القلب بسبب فيروس أو مشكلة جسدية أخرى. أما السبب الثاني، فهو وراثي بطبيعته ويتعلق بطفرة جينية مرتبطة بوظيفة القلب.
يقول آشلي إن التمييز بين السببَين ضروري: "يمكن عكس مسار التهاب عضل القلب، فقد يعود القلب إلى وضعه الطبيعي بفضل العلاج. لكن يختلف الوضع إذا كانت المشكلة وراثية. يقضي الحل الوحيد في هذه الحالة بزراعة قلب جديد".
تواصل المشرف الرئيسي على الدراسة الجديدة، جون غورزينسكي، مع والدَي ماثيو وشرح لهما تفاصيل البحث المرتبط بتقنية تجزئة الجينوم السريعة وسألهما عن استعدادهما لإشراك ابنهما في الدراسة. تقول جيني كونزمان: "لقد أخبرونا عن هذا البحث الجديد الذي يهدف إلى تسريع عملية التشخيص، فوافقنا على المشاركة في التجربة فوراً. كنا نحتاج إلى أكبر قدر ممكن من المعلومات لاكتشاف سبب المشكلة".
أخذ الباحثون عيّنة صغيرة من دم ماثيو وبدؤوا عملية تجزئة الجينوم السريعة. أثبتت البيانات بعد بضع ساعات أن المشكلة وراثية فعلاً.
بعد معرفة هذه المعلومة، وُضِع اسم ماثيو سريعاً على قائمة زراعة القلب. وبعد مرور 21 يوماً، تلقى المريض قلباً جديداً. وبعد سنة على إجراء تلك العملية، تقول والدته اليوم إنه "في حالة ممتازة".
طوّر علماء من كلية الطب في جامعة "ستانفورد" مقاربة جديدة وفائقة السرعة لتجزئة الجينوم، وقد استُعملت لتشخيص أمراض وراثية نادرة خلال ثماني ساعات. إنه إنجاز غير مسبوق في مجال الرعاية الصحية النموذجية.
في حالة أخرى، حضر مريض عمره ثلاثة أشهر إلى قسم الطوارئ الخاص بالأطفال في مستشفى "ستانفورد" بعد إصابته بنوبات غير مبررة. كان الطفل مصاباً بشكلٍ من الصرع، لكن لم يتضح سبب الأعراض حتى تلك المرحلة.
بدأ الباحثون بتجزئة جينوم المريض، ومرروا البيانات التي جمعوها في خوارزميات مُعدّة لرصد الطفرات، واستعملوا مراجع مأخوذة من بيانات مرتبطة بالجينومات والأمراض، وطلبوا في الوقت نفسه إجراء فحوصات تشخيصية عيادية نموذجية لرصد المؤشرات الحيوية الدموية المرتبطة بنوبات الصرع الوراثية بطبيعتها. بعد مرور ثماني ساعات تقريباً، حصل الباحثون على الجواب المنتظر بفضل بيانات التجزئة السريعة. تبيّن أن تشنجات الطفل المريض تنجم عن طفرة في جينة اسمها CSNK2B.
لو اتكل الفريق الطبي على الفحوصات النموذجية حصراً، ما كان ليتوصل إلى أي تشخيص حينها، مع أن الفحوصات اللاحقة كانت لتصل إلى التشخيص الصحيح في نهاية المطاف. لكن يعني ذلك أن الأطباء ما كانوا ليعرفوا أصل المشكلة قبل مرور أسابيع.
لهذا السبب، قد تُغيّر تقنية تجزئة الجينوم المتسارعة قواعد اللعبة كلها بالنسبة إلى المصابين بأمراض وراثية نادرة. يستطيع العلماء أن يحللوا جينوم المريض كله بحثاً عن جميع المتغيرات الجينية المعروفة في الأوساط العلمية، حتى لو تم اكتشاف تلك المتغيرة قبل يوم واحد. وإذا لم يتلقَ المريض تشخيصاً وراثياً في المرحلة الأولى، يرتفع احتمال أن يرصد العلماء جينة جديدة على صلة بالمرض المستهدف.
بدأ أطباء آخرون يهتمون بهذه التقنية الجديدة. يقول آشلي: "سمع خبراء في "ستانفورد" أننا نستطيع القيام بتشخيص وراثي خلال بضع ساعات، وهم يعتبرون هذا الاكتشاف مثيراً للاهتمام. بشكل عام، لا تدخل الاختبارات الوراثية في خانة الفحوصات التي تَصْدُر نتائجها سريعاً، لكننا بدأنا نُغيّر هذه الفكرة".