أعود مرة ثانية إلى قرار منظمة الاونيسكو اعتبار "الخط العربي" في عداد "التراث الثقافي غير المادي". أعود لأسباب فنية خالصة.
أعود، وقد هللت حكومات عربية وإسلامية بهذا القرار-الحدث، إذ وجدتُ فيه ما لا يناسب المقام الفني والجمالي للخط العربي.
هذا يحتاج، بداية، إلى القول بأن هذا المفهوم الناظم للقرار (التراث الثقافي غير المادي) ناشئ، راج في اوساط الأونيسكو وخارجها منذ عقود ثلاثة على الاكثر، وعرف نجاحات اكيدة، حتى إن بعض الجامعات العربية باتت تعلم هذا الاختصاص في مقرر دراسي وأكثر، بل تَصدر وفق منظوره أطروحات وكتب ودراسات متعاظمة بالعربية.
لا اريد مناقشة المفهوم في أساسه، ولا في كونه قد انصف بعض الفنون (وغيرها) في تاريخ البشرية والمجتمعات والثقافات... المنسية او المهمشة او المحتقرة، ولا سيما في بلدان ضعيفة المكانة وقليلة الحضور والإشعاع في عالم اليوم.
ما اريد مناقشته هو التالي: هل يَصلح إدراج الخط العربي في قائمة الاونيسكو المذكورة؟
طبعا رغبت الحكومات العربية (صاحبة المقترح)، من وراء ذلك، تكريس مكانة الخط العربي في ثقافة العالم. وهو طموح مشروع وجليل ونبيل وجدير بالتأييد، إلا ان هذه الرغبة ضلت الطريق من حيث لم تقصد على الأرجح.
ضلت الطريق لأسباب فنية خالصة، وفي أولها ان الخط العربي فن لا يقل قيمة عن الشروط التي تجعل من التصوير او النحت او الرسم "فنوناً" مكرسة. الخط العربي قديم، يرقى إلى ما يقرب من 14 قرناً، له قواعد وطرز واعلام ومدارس، اكيدة ومعروفة في جوانب كبيرة منها. وهو ليس بالتراث الفني المغمور او المجهول... لكي يتحصل مثل هذا الاعتراف الذي لا يساوي الكثير في تاريخ الفنون، في قديمها وحديثها ومعاصرها.
الخط العربي ليس مجهول التاريخ، ولا مجهول مبتكريه ومجدديه، وليس من إنتاج عامة الناس، بل تَباهى به أدباء ووزراء وسلاطين بني عثمان وغيرهم من كبراء التاريخ العربي والإسلامي.
أي أن الخط العربي لا تتوافر فيه الصفات التي يشملها "التراث الثقافي غير المادي"، بل يتعداها، اذ لا يمكن مساواته بالغناء او بالتطريز او بالرقص وغيرها.
هو لا يحتاج الى هذه الشهادة الدولية، وإنما يحتاج الى جهود علماء ودارسين لكي يعرضوا ويشرحوا ويبرزوا فنية الخط العربي وجماليته. وهو ما للحكومات العربية والإسلامية ان تنشط فيه، بدل ألاعيب الكواليس الدبلوماسية التي لا تساوي ضربة قلم من ابن مقلة او ياقوت المستعصمي.