جاد حداد

ما تأثير الجراثيم المعوية على ظهور حالة "كوفيد الطويل"؟

5 دقائق للقراءة

يعترف ثلاثة أرباع المتعافين من فيروس "كوفيد - 19" باستمرار واحد من الأعراض على الأقل بعد مرور ستة أشهر. تتعدد الأعراض الشائعة في هذه الحالة المعروفة باسم "كوفيد الطويل"، منها التعب والضعف العضلي والأرق.

لا يزال السبب الدقيق وراء هذه الحالة غامضاً، لكن قد تؤثر عليها عوامل محتملة مثل الاستجابة المناعية المفرطة وتضرر الخلايا خلال فترة المرض. لم يتّضح أيضاً السبب الذي يفسّر إصابة البعض بأعراض تستمر أسابيع أو أشهراً مقابل تعافي البعض الآخر بالكامل.

في العام 2020، اكتشف الباحثون في "مركز أبحاث البيئة الميكروبية المعوية" في الجامعة الصينية في هونغ كونغ دليلاً لافتاً، فلاحظوا أن المصابين بعدوى "كوفيد-19" يسجلون تغيرات بارزة في بيئتهم الميكروبية المعوية مقارنةً بالمجموعات المرجعية التي تشمل أشخاصاً أصحاء. تُسمى مجموعة الجينومات الخاصة بالبيئة الميكروبية المعوية "ميكروبيوم الأمعاء".

بما أن الأمعاء تؤثر بقوة على تنظيم جهاز المناعة، قد يؤدي اضطراب ميكروبيوم الأمعاء إلى تفاقم العدوى وظهور أعراض متواصلة نتيجة استمرار الاختلالات المناعية. اكتشف "مركز أبحاث البيئة الميكروبية المعوية" مؤخراً أول دليل على اختلال ميكروبيوم الأمعاء لدى المصابين بحالة "كوفيد الطويل" لمدة تصل إلى ستة أشهر بعد إصابتهم بالعدوى للمرة الأولى.

رصد العلماء روابط بين مجموعات من الجراثيم وأعراض معينة. عند دخول المرضى إلى المستشفى، كان المعرّضون لحالة "كوفيد الطويل" يحملون عموماً بيئة ميكروبية مفرطة وأقل تنوعاً مقارنةً بمن تعافوا بالكامل. حتى أن البيئة الميكروبية لدى غير المصابين بهذه الحالة كانت مشابهة لأمعاء أشخاص أصحاء قدّموا عينات برازية قبل انتشار الوباء.

نُشرت نتائج الدراســــــة في مجلة "الأمعاء".

مسار الدراسة

راقب العلماء 106 أشخاص مصابين بعدوى "كوفيد-19" كانوا قد دخلوا إلى المستشفيات في هونغ كونغ. كان معظمهم مصاباً بدرجة خفيفة أو معتدلة من المرض.

بلغ متوسط أعمار المشاركين 48 عاماً، وكان أكثر من نصفهم نساءً. قدّم المشاركون عينات برازية عند دخولهم إلى المستشفى، ثم بعد مرور شهر ثم ستة أشهر.

استعمل الباحثون تقنية التسلسل الميتاجينومي لتحليل ما مجموعه 258 عيّنة. كما أنهم حللوا عينات مرجعية قدّمها 68 شخصاً قبل تفشي وباء كورونا، وكانوا يحملون المواصفات نفسها من حيث العمر والجنس والأمراض والحمية الغذائية.

بعد خروج المرضى من المستشفى، استمر واحد من الأعراض على الأقل لدى 81% منهم بعد مرور ثلاثة أشهر. وبلغت هذه النسبة 76% بعد ستة أشهر. تشمل لائحة الأعراض الشائعة التعب، ومشاكل الذاكرة، وتساقط الشعر، والقلق، واضطراب النوم.

لم يرصد الباحثون أي رابط بين كمية الفيروس الموجودة في العينات التي جُمِعت عند الدخول إلى المستشفى وإصابة المشاركين لاحقاً بحالة "كوفيد الطويل". لكن برزت روابط بين ميكروبيوم الأمعاء وهذه الظاهرة.

في المجموعة المصابة بـ"كوفيد الطويل"، برزت اختلافات في كمية 42 فصيلة من الجراثيم عند دخول المستشفى والكمية المسجلة بعد مرور ثلاثة أو ستة أشهر مقارنةً بالعينات المرجعية.

كانت الجراثيم المفيدة التي تنتج عنصر البوتيرات الكيماوي الأكثر ميلاً إلى التلاشي لدى المصابين بحالة "كوفيد الطويل" بعد ستة أشهر على خروجهم من المستشفى.

في المقابل، سجّل غير المصابين بهذه الحالة 25 تغيراً فقط في كمية الأنواع الجرثومية عند دخولهم إلى المستشفى مقارنةً بالمجموعات المرجعية. وبعد مرور ستة أشهر على الخروج من المستشفى، أصبح ميكروبيوم الأمعاء لديهم مشابهاً للمجموعات المرجعية.

اكتشف الباحثون أيضاً روابط بين بعض الأجناس الجرثومية ومؤشرات محددة مثل الأعراض التنفسية المرتبطة بالجراثيم الانتهازية التي تُسبب الأمراض. كذلك، برز رابط بين الأعراض العصبية والنفسية والإرهاق من جهة، والجراثيم المكتسبة في المستشفيات مثل المطثية الفطرية والشعيات اللزجة من جهة أخرى.

جراثيم لتنظيم المناعة

يقول البروفيسور غراهام روك، أستاذ فخري في علم الأحياء الدقيقة في جامعة "كوليدج لندن" (لم يشارك في البحث الأخير): "من المنطقي أن نفترض أن تركيبة الكائنات المقيمة في الأمعاء تؤثر على ظهور حالة "كوفيد الطويل". يتعلق رابط محتمل بتنظيم جهاز المناعة. غالباً ما يحمل المصابون بهذه الحالة مستويات مرتفعة من الأجسام المضادة الذاتية. بعبارة أخرى، يطلق الفيروس استجابة من الأجسام المضادة نحو أنسجة الجسم. تعكس هذه العملية فشل الآليات التنظيمية التي يُفترض أن توقف أي استجابات مناعية ضد أنسجة المريض".

سجل المصابون بـ"كوفيد الطويل" في الدراسة مستويات أقل من جراثيم معوية متعددة تسهم في تنظيم جهاز المناعة. كان روك قد طرح "فرضية الأصدقاء القدامى" التي تفترض أن البشر طوّروا علاقات ودية مع الجراثيم التي تحافظ على سلامة جهاز المناعة.


دراسة محدودة

يعترف الباحثون بأن دراستهم كانت محدودة على بعض المستويات. بما أنها ترتكز على مراقبة المشاركين، لا يمكن التأكيد على ظهور حالة "كوفيد الطويل" بسبب خصائص معينة في ميكروبيوم الأمعاء. كذلك، اتكل العلماء على ردود المشاركين الشخصية على استبيان بشأن أعراضهم.

أخيراً، يظن العلماء أن تراجع حجم العينات أعاق مسار الدراسة أيضاً، لذا تبرز الحاجة إلى إجراء أبحاث إضافية لمحاولة التأكد من هذه النتائج عبر الاستعانة بمجموعات سكانية مختلفة وأكبر حجماً.