جاد حداد

العالم المستقرّ حولنا خدعة من دماغنا

5 دقائق للقراءة

تتعامل العين طوال الوقت مع كمية هائلة من المعلومات البصرية، فتشاهد ملايين الأشكال والألوان والحركات المتبدلة من حولنا. هذا الوضع ليس سهلاً على الدماغ.

من جهة، يتبدّل العالم البصري باستمرار بسبب تغيرات الضوء وزاوية الرؤية وعوامل مختلفة. ومن جهة أخرى، تتغير المدخلات المرئية طوال الوقت نتيجة رمش العين وتحرك الرأس والعين والجسم بشكلٍ متكرر.

لاستيعاب طبيعة "الضجة" التي ترافق هذه المدخلات البصرية، يكفي أن تضع هاتفاً أمام عينيك وتُسجّل فيديو تزامناً مع التنقل والنظر إلى أغراض مختلفة. يتعامل الدماغ مع النوع نفسه من العوامل الفوضوية والمتحركة خلال كل لحظة من هذه التجربة البصرية.

لكننا لا نشعر مطلقاً بأن الرؤية تتطلب جهداً شاقاً. بدل مشاهدة التقلبات والضجة البصرية التي تُسجّلها الفيديوات، لن نشاهد إلا بيئة دائمة الاستقرار. كيف يبتكر دماغنا هذا الاستقرار الوهمي إذاً؟ هذه العملية أبهرت العلماء طوال قرون، وهي تُعتبر من أهم الأسئلة في علم البصريات.

الدماغ آلة زمنية

تكشف أحدث الأبحاث آلية جديدة قد تفسّر هذا الاستقرار الوهمي. يعمد الدماغ تلقائياً إلى تهدئة المدخلات البصرية مع مرور الوقت. بدل تحليل كل لقطة بصرية خاطفة، نحن نشاهد في كل لحظة متوسط ما نراه في آخر 15 ثانية. من خلال جمع الأجسام وجعلها أكثر تشابهاً، يخدعنا الدماغ كي نقتنع بأننا نشاهد بيئة مستقرة.

قد يفسّر "العيش في الماضي" السبب الذي يمنعنا من ملاحظة التغيرات السلسة التي تتلاحق مع مرور الوقت. بعبارة أخرى، يبدو الدماغ أشبه بآلة زمنية لا تكفّ عن إعادتنا إلى الماضي. الأمر أشبه باستعمال تطبيق لترسيخ المدخلات البصرية كل 15 ثانية وتحويلها إلى انطباع واحد كي يتمكن الناس من عيش حياتهم اليومية بسهولة.

لو أنّ الدماغ يستحدث المعلومات في الوقت الحقيقي، كان العالم من حولنا ليبدو مكاناً فوضوياً حيث تتلاحق التقلبات على مستوى الأضواء والظلال والحركات. كنا لنشعر حينها بأننا نهلوس طوال الوقت.

إبتكر الباحثون خدعة لتجسيد طريقة عمل آلية الاستقرار هذه، فصمّموا وجهاً يشيخ ببطء طوال 30 ثانية، لكن يصعب أن نلاحظ نطاق التغيير مع التقدم في السن. شاهد المراقبون ذلك الوجه وهو يشيخ بوتيرة أبطأ مما يحصل فعلياً.

لاختبار هذا النموذج الوهمي، استعان العلماء بمئات المشاركين وطلبوا منهم أن يشاهدوا صوراً مقرّبة لوجوه يتغير عمرها مع مرور الوقت عبر فيديوات تفصل بينها 30 ثانية.

حين طُلِب من المشاركين أن يتوقعوا عمر الوجه الذي يشاهدونه في نهاية كل فيديو، كانوا يذكرون عمر الوجه الذي ظهر قبل 15 ثانية.

أثناء مشاهدة الفيديو انحاز المشاركون دوماً إلى الماضي، ما يعني أن الدماغ كان يعيدهم إلى آخر 10 أو 15 ثانية (حين كان الوجه أكثر شباباً). بدل رؤية أحدث صورة في الوقت الحقيقي، يشاهد البشر نسخاً سابقة من الصور لأن مدة تحديث الدماغ تبلغ 15 ثانية تقريباً. يثبت هذا الانطباع الوهمي إذاً أن تخفيف حدة المعلومات البصرية مع مرور الوقت قد يزيد استقرار الإدراك.

يقوم الدماغ بتأخير الصور بكل بساطة. كان الدماغ ليضطر لبذل جهود شاقة للتعامل مع كل لقطة يتلقاها، لذا يفضّل التمسك بالماضي لأنه مؤشر إيجابي على الحاضر. يعني ذلك أننا نعيد تدوير معلومات الماضي لأنها أسرع وأكثر فاعلية ولا تتطلب القدر نفسه من الجهود. هذه الفكرة التي تدعمها نتائج أبحاث أخرى وتتعلق بالآليات الدماغية المستعملة لتوجيه الإدراك البصري نحو التجارب البصرية الماضية تُعرَف باسم "مجالات الاستمرارية".

أحياناً، يضحّي نظامنا البصري بدرجة من دقته لضمان تجربة بصرية سلسة أثناء مشاهدة العالم من حولنا. قد يفسّر هذا الجانب مثلاً السبب الذي يجعلنا لا نلاحظ التغيرات التي تتلاحق على مر فيلمٍ نشاهده، مثل الفرق بين الممثلين الحقيقيين ومن ينوب عنهم في المشاهد الخطيرة.

تترافق نزعة الدماغ إلى تأخير المعلومات عند التعامل مع عالمنا البصري مع بعض الإيجابيات والسلبيات. يكون هذا التأخير ممتازاً لمنعنا من التعامل مع سيل من المدخلات البصرية يومياً، لكنه قد يطرح خطورة على الحياة حين يحتاج الفرد إلى رؤية فائقة الدقة في بعض المواقف.

يفحص أطباء الأشعة مثلاً مئات الصور الجماعية ويشاهدون صوراً متلاحقة ذات صلة. وعند النظر إلى نتائج الأشعة السينية، يُطلَب من الأطباء أن يرصدوا أي اختلالات ويصنفوها.

خلال عملية البحث البصري ورصد المؤشرات، اكتشف الباحثون أن قرارات أطباء الأشعة لا ترتكز على الصور التي يحدقون بها في الوقت الراهن فحسب، بل إنها تتأثر أيضاً بالصور التي شاهدوها سابقاً، ما قد ينعكس على وضع المرضى.

على صعيد آخر، قد نغفل عن التغيرات الفورية بسبب تباطؤ تحديث نظامنا البصري لأنه يتمسك بأول انطباع نُكوّنه ويعيدنا إلى الماضي.

في النهاية، تسمح "مجالات الاستمرارية" بتحسين طريقة اختبارنا للعالم المستقر. لكن يجب ألا ننسى في الوقت نفسه أن الأحكام التي نطلقها يومياً لا ترتكز بالكامل على الزمن الحاضر، بل إنها تتأثر أيضاً بما شاهدناه في الماضي.