الغارات الإسرائيلية المكثّفة على سوريا والتي تستهدف فيها المواقع الإيرانية ومواقع حلفائها، والتي تتمّ بغض نظر وتسهيل روسيّ لا لبس فيهما. وغالبا تحصل من خلال تنسيق وتواطؤ مع الإسرائيليين. تلك الغارات تطرح تساؤلاً مهمّاً حيال طبيعة العلاقة الروسية - الإيرانية، وهل هي فعلاً علاقات تحالفية أصيلة، أو مجرد علاقة ضرورية لدى طرفين يتنازعان السيطرة على عناصر الدولة السورية مجتمعة؟
كلُّ من يريد أن يقوم بعملية تقويم للعلاقات الروسية - الإيرانية في سوريا، ما عليه سوى أن يدخل إلى الشبكة العنكبوتية «الانترنت» المتاحة، فالعمّ «غوغل» بانتظاره. فهناك الكثير من الأخبار والتقارير التي تتناول العلاقة بين الدولتين الصديقتين اللدودتين، ليتفاجأ الباحث بأن تلك العلاقة، في ما يتعلق بسوريا وجغرافيتها القاتلة، ليست على النحو الذي يحاول البعض إظهاره على أنّها سمن على عسل. كلّا، إنّ الواقع بخلاف ذلك، فروسيا ليست بتلك الدولة التي لا تقدّر أهمية الموقع السوري الجيوسياسي بالنسبة إليها، كمدخل استراتيجي لفرض نفوذها في شرق المتوسط في وجه الولايات المتحدة، التي تهدف تاريخياً ودون هوادة لمنع روسيا من الوصول إلى البحر المتوسط.
وهذا ما يدلّ على أنّ اهتمام روسيا بتواجدها في سوريا ليس بالمستجدّ بل يعود إلى الوراء كثيراً. فالروس من خلال ثقافتهم الاستراتيجية التاريخية حيال سوريا، ينظرون بعين الريبة لتزايد النفوذ الإيراني فيها، وتحديداً في دير الزور ودرعا، حيث وقع أكثر من اشتباك بين الجانبين، في مؤشر صريح على تعارض الأهداف على الأرض، إذ ليس هناك من مصلحة روسية لوجود إيراني على البحر المتوسط. وفي هذا السياق، فقد سارع مجلس الاتحاد الروسي بالموافقة على اتفاقية توسيع قاعدة طرطوس البحرية، وضمّ قاعدة حميميم إلى مجموعة القواعد التي تملكها موسكو في الخارج، الذي يضمن لها أن تكون صاحبة نفوذ وسيطرة على الساحل الشرقي للمتوسط، بعد أن استأجرت مرفأ طرطوس لمدة 49 سنة.
وفي ما يتعلق بهذه العلاقة، نجد أن المسؤولين الروس يتحدثون بكثير من الصراحة والوضوح حيث يلزم، لإفهام الجانب الإيراني حدود تلك العلاقة، حتى وإن بدت هناك مصالح مشتركة، وهي بالأصل ذات طبيعة متغيّرة. فقد صرح نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف بأنّ «إيران ليست حليفة لموسكو، وأن بلاده لا تستخفّ بأيّ طريقة بأهمية التدابير التي من شأنها ضمان أمن قوي لإسرائيل وهي من أهم أولويات روسيا». يُقابل ذلك، تصريح النائب السابق لوزير الخارجية الإيراني حسين جابري انصاري أكد فيه الخلافات الروسية - الإيرانية في ما يخصّ إسرائيل، في وقت شدّد فيه أيضاً على وجود مصالح مشتركة بين بلاده وروسيا، مضيفاً أن إسرائيل قد أدركت تبعات الربط بين إيران وسوريا وروسيا، وهي تسعى إلى تحميل خططها للاعبين الآخرين في سوريا ومن جملتهم روسيا. وبحسب قوله إن الكيان الإسرائيلي يستغل العلاقات التاريخية بينه وبين روسيا لتحقيق أهدافه.
وفي ظل دخول روسيا الحرب إلى جانب النظام السوري، الذي كاد يسقط حينها حتى في ظل الوجود القوي للحرس الثوري والميليشيات التابعة له، تأتي الرواية الإيرانية عن أن قاسم سليماني الذي اغتيل بضربة أميركية في العام 2020، قد ذهب إلى روسيا وقابل الرئيس فلاديمير بوتين وأقنعه بضرورة التدخل العسكري في سوريا، وإلّا سقط النظام.
الذكاء الروسي في إدارة المعارك الكبرى
فواقعة سفر سليماني إلى روسيا لا يمكن التشكيك فيها، إنما لا يمكن التسليم بمحتواها، خصوصاً لناحية إقناع الجانب الروسي بالمشاركة العسكرية إلى جانب بشار الأسد وحلفائه، وذلك للأسباب الآتية:
أولاً: إن روسيا دولة عظمى، وهي تدرك مصالحها الجيوسياسية جيدا، ولا يمكن أن نقبل تلك الرواية الشهيرة، ونسلم بها دون تمحيص ودراية.
ثانيا: إنّ أهمية سوريا الجيوسياسية بالنسبة إلى روسيا تاريخية جداً، وقد سبق للروس أن تدخّلوا أو هدّدوا بالتدخل في سوريا. على سبيل المثال لا الحصر، فقد قدم الرئيس السوفياتي يوري أندربوف في فترة الثمانينات من القرن الماضي، تحديداً إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان، مساعدات شاملة سياسية واقتصادية وعسكرية للرئيس السوري حافظ الأسد، الأمر الذي مكّنه من إحكام قبضته على سوريا، والقضاء على «الإخوان المسلمين»، وقد أراد الروس حينها إيصال رسالة تهديد واضحة لتركيا وإسرائيل، بعدم المس بالمصالح الروسية في سوريا.
ثالثا: إن حلم روسيا بالوصول إلى المياه الدافئة في البحر الأبيض المتوسط قديم جداً، وهي تنتظر الفرصة لتحقيق ذلك الحلم وبأقلّ الأكلاف.
وعليه، في التحليل المستند إلى ثوابت السياسة الروسية في منطقة الشرق الأوسط، وإلى أهمية زيارة قاسم سليماني الى روسيا، يمكن التأكيد أن الرئيس الروسي بوتين بحنكته وبخلفيته المخابراتية التي عادة تعمل خلف خطوط العدو، لتقويم قدراته كافة، قد انتظر الفترة المناسبة، حتى تتعب الأطراف المتحاربة جميعها في سوريا.
فبالنسبة إلى المعارضة، صحيح أنّها كانت تحقّق انتصارات، إلّا أنّها قد بدت متشرذمة وغير موحّدة، وقد أتعبها ذلك، بحيث أصبحت أقلّ تماسكاً لمجابهة الروسي في حال دخوله الحرب. أمّا بالنسبة إلى حلفاء الأسد، فقد أرهقوا، وكانوا يخسرون المواقع والمحافظات تباعاً، وقد استغلّ الجانب الروسي ذلك ليُطلَب منه الدخول وفق شروطه لا شروطهم هم، محمّلاً إيران والنظام السوري تكاليف تدخّله في الحرب، لوقف زحف المعارضة نحو دمشق، وهذا ما أكّده وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بقوله: «لولا تدخلنا في سوريا لكانت دمشق وحلفاؤها قد خسروا الحرب».
خلاصة الأمر، إن لروسيا أهدافاً استراتيجية، تختلف جذرياً عن أهداف إيران. فمن مصلحة روسيا الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وبقاء النظام، كي تتعامل لاحقا مع دولة قائمة، بينما إيران لا مانع لديها من تقسيم سوريا، لتحتفظ بمنطقتين مهمتين، واحدة شرق سوريا وهي دير الزور لربطها بالعراق، وواحدة بالجنوب السوري، لربطه مع «حزب الله» في لبنان، كذلك نشر العديد من المجموعات الموالية لها كقوّة احتياط في مواجهة النفوذ الروسي لاحقاً. وهذا ما لا ترغب فيه روسيا بالمطلق، ما يؤكد أن المواجهة على هذه الخلفية قادمة لا محالة. أمّا في ما يتعلق بإسرائيل، واضح جدا إعطاء الضوء الأخضر الروسي للطائرات الإسرائيلية بتنفيذ ما تشاء من غارات، دون المسّ بالمصالح الروسية المباشرة. وفي ذلك منفعة روسية لا خلاف حولها، ما يثير غضب قوى الممانعة ورفضها موقف موسكو المتساهل جداً مع إسرائيل.
لا يُمكن مقارنة تمكّن الجانب الروسي وقوّته في سوريا بالجانب الإيراني. ففي الغابة هناك تصرف غرائزي، حيث يقوم القويّ بـ»التبوّل» لتحديد منطقة سيطرته، وعلى ما يبدو إن «الدب الروسي» قد حدّد كلّ سوريا منطقة نفوذ له، خصوصاً أنّ لروسيا دوراً مهماً في إقناع بعض الدول العربية بالانفتاح على النظام السوري، وهذا ما يزعج الإيرانيين. وقابل الأيام سيخبرنا بما ستؤول إليه الأمور.
(*) كاتب لبناني