جورج بوعبدو

غبريال يمين: لستُ مع عرض الأفلام السينمائية على المنصات

9 دقائق للقراءة
تربى منذ صغره في ديرٍ لعشرة أعوام متتالية، بعيداً عن أهله كونه أراد أن يصبح راهباً رغماً عنهم. إكتشف موهبته الفنية والموسيقية داخل الدير وكان يهرب بين حين وآخر لحضور السينما التي كانت عشقه الكبير. أوّل مشاركة مسرحية له كانت بدور إمرأة شقراء إذ اقتصر جنس المشاركين كلهم على الذكور كونهم في الدير طبعاً. حضر أهله المسرحية وما انفكّ الوالد طوال المسرحية يسأل عن ابنه ولماذا لم يره فيها حتى أخبرته زوجته انه كان يؤدي دور الفتاة. تلقى تعليمه الثانوي (الباكالوريوس) بعد خروجه من الدير. ما فكّر بالتخصص في المسرح يوماً بل كان مهتماً بالسينما والموسيقى بشكلٍ أساسي علماً أن ذلك لم يكن متوافراً في المعهد الوطني إلا في اختصاص المسرح. رسب في العام الأول لكنه عاد ونجح في العام الثاني، وهكذا بدأت مسيرته الطويلة في عالم التمثيل. شارك في لجنة تحكيم برنامج ستار أكاديمي، وكان أستاذاً للدراما في الأكاديميّة. له بصمة مميزة في عالم التمثيل تجلّت بأدوارٍ عدة منها دور المجنون مع الفنان الكبير زياد الرحباني في مسرحية "مجنون يحكي". بدأ مسيرته الاخراجية في العام 1989 مع مسرحية "فلتانة عالآخر"، مع فيليب عقيقي وميراي معلوف وجوليا قصار، ثم "شغلة فكر" و"النشيد" و"حضارة" و"مقتل ان واخواتها".عمل على 86 خشبة مسرح حول العالم، وقدّم مئات الاعمال المسرحية والتلفزيونية والسينمائية، و73 ترجمة مسرحية و60 فيلماً قصيراً و14 عملاً مسرحياً موسيقياً. ولعلّ آخر باكورة من أعماله كتابته سيناريو في فيلم "أصحاب ولا أعزّ" الذي عرض أخيراً على منصة "نتفليكس" وأثار ضجة منقطعة النظير. "نداء الوطن" إلتقت الكاتب والممثل والمخرج غبريال يمين في حوار مشوّق تناول آخر المستجدات والشجون على الساحتين الدرامية والانتاجية.

أديت أدواراً تلفزيونية وسينمائية ومسرحية عدّة وكانت في معظمها من كتابتك. أين تجد نفسك أكثر؟

لا شكّ في أنني أفضل دائماً المسرح على السينما والتلفزيون، فكل الأدوار المسرحية التي أديتها كنت مرتاحاً فيها الى أبعد حدود، ولا أذكر أنني حزنت لأداء دورٍ معين فالمسرح بشكل عام يمدّني بالسرور.



أخبرنا قليلاً عن تجربة فيلم Good Morning الذي برعت فيه ولكنه لم يحصد الأضواء الكافية.

إنه فيلم "حساس" جداً من كتابة رشيد الضعيف وإخراج بهيج حجيج وهو فعلاً ينتمي الى عائلة الدراما لما فيه من تمثيل وفن حقيقيين. وعلى الرغم من بساطة الفكرة أحبّه كلّ من شاهده لتناوله تفاصيل دقيقة موجودة في مجتمعنا. أتمنى من الجميع أن يشاهد هذا الفيلم لأنه مرآة للشعب وللمجتمع. للأسف لم يلقَ الفيلم اهتماماً كافياً في بلدنا ولم يعرض في السينما إلا لفترةٍ وجيزة جداً، فهو ليس فيلماً تجارياً، بل هو عميق في معانيه وحصد جوائز عدة في الدول كافة ويعرض حالياً في مهرجان جنيف في سويسرا.

ماذا عن فيلم "يربوا بعزكن"؟

هو فيلم كوميدي مشغول بنظافة من إخراج دافيد أوريان وكتابة ايزاك فهد وإنتاجه مع سام لحود. شارك في تمثيله كل من عمار شلق وتقلا شمعون، ورولا بقسماتي، وباميلا الكيك، وشادي حداد، وزينب خضرا، ورامي عطالله. كنت فرحاً جداً بهذا العمل لطرافته وخفة دمه. كانت الاجواء مميزة بالفعل أثناء التصوير.



ما رأيك بالدراما اللبنانية اليوم؟

كثرت الأعمال اليوم وثمة وفرة في الإنتاج ولكنني لا أجد صراحةً عملاً اليوم له علاقة بالدراما فهل لأيّ كان أن يخبرني أين هي الدراما في هذه الأعمال؟

ألا يوجد كاتب لامع حالياً يسترعي انتباهك؟

فلنتفق أولاً على كلمة "لامع". في زمن ليس ببعيد لمع اسم "بن لادن" وحصد شهرة واسعة ولكنني لا أعلم إذا كان منافساً لأنجلينا جولي او ستيفن سبيلبرغ. ما قرأت حتى الساعة كتابات لها علاقة بالدراما، والذي يصلني كمتابع لا يمت للدراما بصلة فأنا غير مقتنع بالأعمال التلفزيونية من النواحي كافة.

هل من ممثل مفضل لديك وتتمنى لو تعطيه دوراً ليؤديه؟

لدينا كم هائل من الطاقات التمثيلية في لبنان إناثا كانوا أم ذكوراً وأنا فعلاً متفاجئ بالأدوار التي يستطيعون تأديتها. أما المشكلة فتكمن في النصوص المكتوبة والأدوار التقليدية الخفيفة التي لا تُظهر الممثل على حقيقته ولا تفسح له في المجال لإطلاق العنان لموهبته. كُتبت مثلاً سيناريوات لمطربين وعارضي أزياء بغية جذب المشاهدين فأين الدراما والتمثيل من هذا الأمر؟

ما الدور الذي كنت تتمنى تأديته ولم تأتِك الفرصة؟

كلّ دور لم يطلب مني هو الدور الذي أحلم به ولكن ليس أي دورٍ طبعاً. يجب أن يكون مكتوباً بحبكة وحنكة درامية وهذا ما لم أجده لدى أيّ من الكتاب.

ما رأيك بغزوة المنصات الالكترونية؟


أنا أؤيد المنصات ولكنني أفضل دائما ذهاب الناس الى السينما وبالتالي أفضّل السينما على المنصات. ما رأيك مثلاً لو أصبحت هناك منصة تعرض الأعمال المسرحية؟ أين سيصبح المسرح حينها؟ سيفقد رونقه بالتأكيد وسيهدّد بالاقفال. بالتالي لست مع عرض الأفلام السينمائية على المنصات لأنني أحب الذهاب الى السينما. لا مشكلة بعرض الأعمال التلفزيونية عليها لأنّها تملك النهج التسويقي ذاته.

كيف للممثل أو الفنان أن يواجـــــــه التحديات في ظل الأزمة الراهنة. وما هي نصيحتك له؟

نمر اليوم في أوقات عصيبة بحيث باتت المعاناة رفيقة كلّ فنان وممثل وكاتب، فكورونا شلّت الإنتاج نهائياً وأغلقت المسارح ناهيك عن انفجار الرابع من آب والضربات الاقتصادية الموجعة التي يصعب حلّها. ما اريد قوله هو اننا أصحاب كفاءة عالية ولكن الفرص تأتي لغيرنا. فهناك حوالى 600 ممثل عاطل عن العمل ويلزمنا أكثر من 60 مسلسل لتغطية البطالة جزئياً وهذا لن يحصل. أنصح بترك هذا المجال والتوجه الى آخر ليكفل الفنان والممثل استمراريته، ولإنقاذ ما تبقى من مسرح وفنون.



ما هي نصيحتك للمتخرجين الجدد؟

هذا سؤال بوسع المتخرجين طرحه على ضابطٍ عسكري ليكون جوابه حاسماً. وقد يشجعهم على الصمود و"إن أتتكم رصاصة استمروا في القتال ولا بد من أن نوصلكم الى المستشفى ولا بد من الشفاء، ومَن يموت نعده بمأتمٍ كبير يليق به!". ما الفائدة من نصيحتي حقاً؟ فالطلاب الجدد مأخوذون بالمهنة ولا يعلمون ما ينتظرهم بالفعل.

مررت بظروف صحيّة صعبة. كيف اجتزت هذه المرحلة الأليمة؟

لم يكن من السهل أبداً النهوض من جديد لولا مشيئة الله. ساعدني كذلك وجود المحبين الذين سهروا وتعبوا وتألموا معي كزوجتي وأهلي وأصدقائي الذين أبوا مفارقتي ولو لحظة واحدة لفترة 45 يوماً. "ما كنت بقدر إطلع منا لو ما اكتشفت اديش في ناس عم بيقولولك خليك عايزينك". لا شك في أن المرحلة التي عشتها صعبة والمرض مؤلم ولكنه ليست بقدر الألم الذي خلّفه حب الناسّ لي وخوفهم علي فتضاعف ألمي لأنني فعلاً أردت النهوض لأكون بينهم ومعهم من جديد.

بدأت كتابة فيلم "أصحاب ولا أعز" مع بدايات انتشار المرض في جسمي من دون علمي طبعاً. حين انتهيت من التصحيح على الورق وأردت بعدها طباعة السيناريو على الكمبيوتر لتسليمه نظيفاً أحسست بشيء غريب منعني من إكمال المسيرة بعد وصولي الى أكثر من نصفه، ولذلك استعنت بتلاميذي فكنت أقرأ لهم ليطبعوا بدورهم ما أتلوه عليهم. وكان يتردّد عليّ بعض أصحاب العمل في المستشفى لتصحيح بعض النواحي وأنا في حالة يرثى لها. وبعد مغادرتي المستشفى طلبوا مني تصحيحاً آخر ولكن حالتي الصحية لم تسمح بذلك فطلبت منهم تأجيل الأمر الى حين التصوير ريثما استعيد عافيتي. فيلم "أصحاب ولا اعز" كان فعلاً وليد العذاب.

هل أثر فيك انفجار الرابع من آب. وكيف تعاطيت مع هذه الحادثة؟

لا أظن أنّ الذين من جيلي تأثروا كثيراً. عشنا الحرب والدمار في كل يوم وكان الخطر كبيراً فكيف لي أن أنسى الأبنية المدمرة والشوارع المضرّجة بدماء القتلى، فالانفجارات التي وقعت سابقاً خلّفت قتلى أكثر بكثير من انفجار الرابع من آب. هذا لا ينفي طبعاً أنني لم أتأثر. ولكن الجيل الحالي تأثر أكثر من جيلي كونه كان يعيش بهدوء وما حصل أصابه بالصدمة فعلاً. ما يؤلمنى فعلاً هو أن الشعب اليوم يطالب بتحقيق العدالة وبكشف الفاعلين علماً أنّ كلّ الحروب والانفجارات والأحداث التي عصفت بنا لم يتمكن أحد من كشف مرتكبيها. "إذا جمعت كمية المتفجرات اللي نحطت بالماضي بفجروا أكتر من مدينة! بفجروا قارة بأمها وأبيها!".

لعلّ المفارقة في حصــــــول الانفجار ونحن في حالة سلم؟

لم نكن يوماً بحالة سلم في لبنان. نعيش فترة هدوء من دون معارك وسلاح متفلت وقتلى ليس إلا. أما الانفجار الكبير فتمّ في فترة السلام المزيّف التي عشناها لسنوات عدة. كنا نتشلّع بقذائف من دون صوت ومن دون رائحة من غير علم الناس. توسّع الأمر حتى أدّى الى انفجار الرابع من آب ودمّر العاصمة بيروت التي كانت أساساً منفجرة دون علم الناس.



تلفزيون... جرائد وهجرة

ماذا تتابع على شاشات التلفزة؟

أتابع محطتي discovery وHistory أما الأفلام فأفضل مشاهدتها في السينما. أردت أخيراً مشاهدة فيلم لستيفن سبيلبرغ في السينما. اتصلت بصديقٍ لي وهو مدير للصالات كي أسأله عن الصالة التي يعرض فيها ليفاجئني بقوله إنّه توقف عن العرض. لم يستمرّ في الصالات أكثر من خمسة أيام تخيّل. ماذا يسعني أن أقول إذا "ستيفن سبيلبرغ ما مشي عنّا"!

نحن جريدة ورقية. البعض تنبأ بغياب الجريدة في المستقبل ما رأيك؟

أعشق رائحة الجرائد منذ نعومة أظفاري. كنت أهرع الى المكتبة عند السادسة والنصف صباحاً من كلّ يوم لشرائها، وفي حال عدم توافر الجريدة التي أحب كنت أشتري غيرها لأنتهي أغلب الأحيان بشراء ما لا يقلّ عن أربع جرائد. رائحة الجريدة تريحني نفسياً. وأحزن جداً على مَن لم يتعرّف على رائحة الجرائد.

ماذا عن الكتاب ما دوره في حياتك؟

الكتاب يساعدني على البقاء وانا اعاني اليوم من دفع مبالغ كبيرة لقاء شراء الكتب وبالتالي انا أطالب بدعم الكتاب للمساعدة في الحصول على الثقافة. فعدم القراءة كارثة للناس والمجتمع أيضاً.



هل تغريك الاقامة الذهبية وهل تفكر بالهجرة؟

كما ذكرت سابقاً الوضع صعب على الممثل في بلدنا خصوصاً لانعدام مصادر الرزق. نحن في إقامة "زبالية" (يضحك بسخرية) ولا أرى أي خطأ في المحاولة خارج البلد لعلّه يكون ملاذاً آمناً وضماناً للاستمرارية. "بركي بعد ما ياخدوا إقامة ذهبية بغير بلاد بيرجعوا وبياخدوا إقامة تنكية بلبنان وبيترقوا شوي شوي" (بتهكّم). ولا يسعنا في جميع الأحوال إلا التوجه بالشكر الى كل البلدان المانحة التي أعطت فسحة أمل للبعض لتغيير مجرى الأمور.