لن يضطر الباحثون في المرحلة المقبلة للاكتفاء باستعمال عدد محدود من "الأجناس النموذجية"، بل إنهم سيتمكنون من استخدام قاعدة بيانات خاصة بتسلسل الحمض النووي لدى أي كائن يحمل خصائص مثيرة للاهتمام. قد تساعدنا هذه المعلومات الجديدة على فهم مسار تطور حياة الكائنات المعقدة وطريقة عملها وكيفية حماية التنوع البيولوجي.
طُرِح هذا المشروع للمرة الأولى في العام 2016، وتسنى لي شخصياً أن ألقي كلمة أثناء إطلاقه في لندن في العام 2018. يجري العمل راهناً على الانتقال من المرحلة التمهيدية إلى الإنتاج الشامل.
تهدف المرحلة الأولى إلى تجزئة جينوم واحد من كل عائلة مُصنّفة على وجه الأرض، أي ما يساوي حوالى 9400 فصيلة. بحلول نهاية العام 2022، يُفترض أن ينتهي العمل على ثلث هذه الأجناس. وتقضي المرحلة الثانية بتجزئة شكل تمثيلي من 180 ألف فصيلة، وسينتهي العمل على تجزئة جينومات جميع الأجناس في المرحلة الثالثة.
أهمية الأجناس الغريبة
يهدف "مشروع الجينوم الحيوي للأرض" في المقام الأول إلى تجزئة جينومات 1.8 مليون فصيلة من الكائنات الحية المعقدة في العالم، أي جميع النباتات، والحيوانات، والفطريات، والكائنات وحيدة الخلية التي تشمل نواة حقيقية (تُسمّى "حقيقيات النوى").
كانت الكائنات النموذجية بالغة الأهمية لفهم الوظائف الجينية، لا سيما الفئران ورشاد الصخور وذباب الفاكهة والديدان الخيطية، لكن من المفيد طبعاً أن نحلل فصائل أخرى قد تكون وظائفها مختلفة.
يشتق جزء كبير من المبادئ البيولوجية المهمة من دراسة كائنات غامضة. من المعروف مثلاً أن غريغور ميندل اكتشف الجينات في البازلاء، ثم اتّضحت القواعد التي تحكمها في عفن الخبز الأحمر.
في المقابل، تم اكتشاف الحمض النووي للمرة الأولى في حيوانات السلمون المنوية، وتشتق معلوماتنا حول بعض الأجهزة التي تحميها من أبحاث مرتبطة بالكائنات بطيئات المشية. كذلك، رُصِدت الكروموسومات للمرة الأولى لدى الدود القبابي والكروموسومات الجنسية لدى الخنفساء (تم استكشاف نشاط الكروموسومات الجنسية وتطورها لدى الأسماك وخلد الماء أيضاً). أما التيلوميرات التي تقع على أطراف الكروموسومات، فقد ظهرت في طحالب المستنقعات.
أجوبة حول أهم الأسئلة البيولوجية وحماية التنوع البيولوجييمكن اكتشاف ما تفعله الجينات وطريقة تنظيمها عبر مقارنة الأجناس المتقاربة أو ذات الصلة البعيدة. وفق مقالة نشرتها "وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم الأميركية" مثلاً، اكتشف باحثون من جامعة كانبيرا أن تنين كومودو الأسترالي ينظّم حياته الجنسية عبر المحيط الكروموسومي للجينات الجنسية بدل أن يستعمل تسلسل الحمض النووي بحد ذاته.
كذلك، يستخدم العلماء مقارنات عدة لتعقب الجينات والأجهزة التنظيمية واكتشاف أصلها التطوري الذي يؤكد حماية الوظيفة الجينية بطريقة مبهرة طوال مليار سنة تقريباً. ترتبط الجينات نفسها مثلاً بتطور شبكية العين في مستقبلات الضوء لدى البشر وذباب الفاكهة. وتكون جينة BRCA1 التي تتحول عند الإصابة بسرطان الثدي مسؤولة عن إصلاح أضرار الحمض النووي في النباتات والحيوانات.
يبدو أن جينوم الحيوانات أيضاً بقي محفوظاً أكثر مما يظن الكثيرون. أثبت العلماء حديثاً أن كروموسومات الحيوانات تعود إلى 684 مليون سنة. من المشوّق أيضاً أن نستكشف "المادة المظلمة" في الجينوم ونُحدد الدور الذي يلعبه تسلسل الحمض النووي في وظيفة الجينوم وتطوره، حتى لو كان ذلك التسلسل لا يُشفّر البروتينات.
يتعلق هدف مهم آخر في "مشروع الجينوم الحيوي للأرض" بعلم الجينوم المرتبط بالحفاظ على الخصائص البيولوجية. يستعمل هذا القطاع تسلسل الحمض النووي لتحديد الأجناس المُهددة التي تشمل حوالى 28% من كائنات العالم المعقدة، وتساعدنا هذه الطريقة على مراقبة صحتها الجينية وتقديم التوصيات المناسبة للتحكم بها.
مهمة لم تعد مستحيلة!
حتى الفترة الأخيرة، كانت تجزئة الجينومات الكبيرة تتطلب سنوات عدة وملايين الدولارات. لكن يسمح التقدّم التقني الهائل اليوم بتجزئة الجينومات الضخمة وجمعها مقابل بضعة آلاف الدولارات. سيكلّف "مشروع الجينوم الحيوي للأرض" كله أقل من مشروع الجينوم البشري الذي بلغت قيمته الإجمالية حوالى 3 مليارات دولار.
في الماضي، كان الباحثون مضطرين لمعرفة الترتيب الكيماوي للقواعد الأربع على ملايين الأجزاء الضئيلة من الحمض النووي قبل نسخ التسلسل كله مجدداً. لكنهم يستطيعون اليوم تسجيل مختلف القواعد انطلاقاً من خصائصها الجسدية أو عبر ربط كل قاعدة منها بصبغة مختلفة. تستطيع طرق التجزئة الحديثة أن تفحص جزيئات الحمض النووي الطويلة التي تكون مترابطة على شكل أنابيب رفيعة أو مضغوطة عبر ثقوب صغيرة داخل أحد الأغشية.
لكن ما الذي يمنع اختصار الوقت وتوفير المال عبر الاكتفاء بتجزئة جينومات الأجناس التمثيلية الأساسية؟
يهدف "مشروع الجينوم الحيوي للأرض" بشكلٍ أساسي إلى استغلال الفرق بين الأجناس لإقامة مقارنات عدة ورصد أي ابتكارات لافتة لدى الأجناس غير المألوفة.
يخشى العلماء أيضاً أن يغفلوا عن تفاصيل مهمة. إذا اكتفينا مثلاً بتجزئة 69999 فصيلة من أصل 70 ألف دودة خيطية، قد نغفل عن الفصيلة الأخيرة التي تستطيع كشف الأسرار المرتبطة بما تفعله الديدان الخيطية لنقل الأمراض إلى الحيوانات والنباتات.
في الوقت الراهن، تشارك 44 مؤسسة من 22 بلداً في "مشروع الجينوم الحيوي للأرض". بدأ العمل أيضاً على 49 مشروعاً ذات صلة، بما في ذلك مشاريع ضخمة مثل "مشروع كاليفورنيا لحفظ علم الجينوم"، و"مشروع جينومات 10 آلاف طير"، و"مشروع داروين البريطاني لشجرة الحياة"، فضلاً عن مشاريع عدة حول مجموعات معينة مثل الخفافيش والفراشات.