تدريب الارتجاع العصبيّ... لزيادة تقدير الذات لدى المكتئبين؟

4 دقائق للقراءة

تشير مجموعة من الأدلة إلى تراجع الروابط بين منطقتين دماغيتَين محددتَين لدى المصابين باكتئاب حاد عند تذكّر مشاعر الذنب. ويكشف بحث جديد الآن أن تقوية هذه الروابط الدماغية وزيادة تقدير الذات هدف ممكن بفضل نوع جديد من تدريب الارتجاع العصبي.

أثبت باحثون من البرازيل وبريطانيا أن جلسة واحدة فقط من تدريب الارتجاع العصبي عبر التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي تستطيع تحقيق هذه النتيجة. نُشرت نتائج الدراسة المبنية على إثبات المفاهيم في مجلة "الصور العصبية العيادية".

تسمح تقنية الارتجاع العصبي للناس بأن يتعلموا كيفية التأثير على نشاط دماغهم عبر مراقبة عيّنة من ذلك النشاط في الوقت الحقيقي.

يُستعمَل الارتجاع العصبي المبني على التخطيط الكهربائي للدماغ منذ السبعينات. لكن تُعتبر التقنية التي تستخدم التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لمراقبة نشاط الدماغ أكثر حداثة.

التقنية الجديدة طريقة غير غازية أيضاً، لكنها تختلف عن مقاربة التخطيـــــط الكهربائي للدماغ كونها تصوّر المنطقة الدماغية المستهدفة بدقة إضافية.

في دراسة سابقة، استعمل الفريق نفسه التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لإثبات تراجع الروابط بين المنطقة الصدغية العليا الأمامية اليمنى والقشرة الحزامية الأمامية تحت الركبية في أدمغة المصابين باضطراب الاكتئاب الحاد حين يشعرون بالذنب أو يبالغون في لوم أنفسهم.

تتعلق الروابط في المناطق الدماغية بحجم التواصل بينها لتبادل المعلومات. وتتوقف الروابط بين المنطقة الصدغية العليا الأمامية والقشرة الحزامية الأمامية تحت الركبية مثلاً على تفسير السلوك الاجتماعي.

لإجراء الدراسة الجديدة، استعان الباحثون بـ28 مشاركاً مصاباً باضطراب الاكتئاب الحاد وقسّموهم عشوائياً على مجموعتين: مجموعة التدخل الناشطة، ومجموعة التدخل المرجعية.

لأسباب متعلقة بسلامة المشاركين، اختاروا أشخاصاً ذوي أعراض خامدة منعاً لتفاقم أي نوبات اكتئاب جديدة بعد العلاج.

من خلال التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، تمكنت المجموعتان من رؤية الارتجاع العصبي على مستوى نشاط الروابط بين المنطقة الصدغية العليا والقشرة الحزامية الأمامية في الوقت الحقيقي على شاشة كمبيوتر ملوّنة. عرض الكمبيوتر مستوى الروابط بين المنطقتَين على شكل ميزان حرارة.

خلال جلسات الارتجاع، تذكّر المشاركون في المجموعتَين موقفاً شعروا خلاله بالذنب تجاه الآخرين، وكرروا المهمة نفسها مع مشاعر الغضب.

طلب الباحثون من المشاركين أن يحاولوا رفع مستوى السائل في ميزان الحرارة عبر تغيير مشاعرهم أثناء تذكّر الحدث.

يوضح المشرف الرئيس على الدراسة، رولاند زان، محاضِر في القواعد العصبية المعرفية للاضطرابات المزاجية في جامعة "كينغز كوليدج لندن"، بريطانيا: "يعني امتلاء ميزان الحرارة بالكامل أن المشاركين يبلون حسناً في التدريب".

لكن برزت اختلافات بين المجموعتين. في مجموعة التدخل، لم يرتفع مستوى ميزان الحرارة إلا تزامناً مع زيادة الروابط بين المنطقة الصدغية العليا والقشرة الحزامية الأمامية. وفي المجموعة المرجعية، لم يرتفع إلا حين حافظت الروابط على مستوى ثابت.

وحين أتمّ المشاركون مهمة ميزان الحرارة تزامناً مع مشاعر الغضب، عزز الميزان ثبات الروابط السابقة بين المنطقتين الدماغيتين في المجموعتَين معاً. يتعلق السبب بإقدام الباحثين على قياس مؤشرات زيادة الروابط بين المنطقتين خلال مشاعر الذنب مقارنةً بمشاعر الغضب. صحيح أن المجموعتين اختبرتا الارتجاع العصبي خلال المدة نفسها، لكن كشفت نتائج التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي أن الروابط بين المنطقة الصدغية العليا والقشرة الحزامية الأمامية زادت في مجموعة التدخل الناشطة حصراً.

وعند تحليل الأجوبة على الاستبيانات النفسية قبل التجربة وبعدها، رصد الباحثون زيادة في مستوى تقدير الذات في مجموعة التدخل الناشطة، لكن لم تُسجّل هذه النتيجة في المجموعة المرجعية.

خلال التجربة، استعمل الباحثون برنامج "التنظيم العصبي وفك التشفير الذاتي والتفاعلي الوظيفي في الوقت الحقيقي"، وهو من ابتكارهم الخاص. يعتبر العلماء نتائجهم الأخيرة مجرد إثبات للمفهوم الذي يفترضونه. لكن يجب أن يجروا تجارب واسعة أخرى للتأكد من استنتاجاتهم ويراقبوا المشاركين لفترات أطول لإثبات فاعلية المقاربة المستعملة قبل وصولها إلى مرحلة التجارب العيادية.

يوضح الدكتور خورخي مول الذي شارك في الإشراف على الدراسة: "رغم طول مدة التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، إلا أنها لا تفوق مدة العلاجات الأخرى بكثير، وقد تقدّم المقاربة الجديدة خياراً بديلاً للمرضى إذا كانوا لا يتجاوبون مع العلاجات التقليدية".