وقعتُ، في تسجيل تلفزيوني نادر (INA)، على حوار مع المفكر الفرنسي الراحل ميشال فوكو، في العام 1966، يدافع فيه عن أن الفلسفة لم تعد كما كانت، أي لم تعد تشكل نظاماً وحيداً للمعرفة والعقلانية. وأن الفيلسوف الفرنسي جان - بول سارتر كان "الأخير" في هذا المشهد، حسب فوكو...
هكذا "تحللت" الفلسفة، وبات غيرها يتكفل، أو يتوكل بما كانت تقوم به، ولكن بكيفيات أخرى:
هذا ما اشتغلتْ عليه اللسانية الحديثة، والمنطق، والأدب، مع جيمس جويس، على سبيل المثال...
ما قالَه فوكو في اللقاء بسيط وواضح، ويعرضه بطريقة أكيدة مما تسوقه.
وهو ما يمكن للقارئ متابعته، والتفكير في مسائله، مع فيلسوف فرنسي آخر: آلان باديو.
هذا الأخير توقف، في كتابه "ما الذي تفكر فيه القصيدة" (2016)، لدرس القصيدة عند بعضهم، ولكي يتبيّن أشكال العلاقات بين القصيدة والفلسفة.
وهو يتساءل، في مقال له، "هل الفن معرفة؟".
غير أن هذا لا يعني عنده أن القصيدة تتجه أو تقصد "موضوعا"، أو معرفة بعينها، وأنها تعمل على التخاطب كذلك، بل "تُنشئ خطاباً، وبياناً، لا يَستمد سلطته إلا من نفسه".
أي أن الشعر لا ينتسب إلى "معرفة"، ما دام انه لا يطلب موضوعاً، ولا يبني او يساعد في بناء علم بعينه... بل تعمل القصيدة على التلفظ، على إحداث حركة، ما يجعلها غايةً في حد ذاتها.
هذا ما تابعَه باديو، في منحى آخر، وهو درسُ الفيلم السينمائي، إذ يراجع ما للسينما من شواغل فلسفية، عند بعض مخرجِيها.
فالسينما، عنده، "حالة فلسفية"، لسببين: السبب الأول أنطولوجي (وجودي)، إذ تخلق علاقة جديدة بين الظاهر والواقع، بين الشيء وبديله، بين الافتراضي والراهني. أما السبب الثاني فهو أن العلاقة بين السينما والفلسفة سياسية، بحكم كون السينما من الفنون "الجماهيرية"، مما يثير علاقات اجتماعية لازمة، وسياسية بالتالي.
هكذا خفتت الفلسفة وتراجعت وتبددت، في النصف الثاني من القرن العشرين، بوصفها عقيدة او مذهباً (مثل الماركسية، والوجودية وغيرهما)، إلا انها لا تذوب وتضمحل، ولا يمكن لغيرها ان يستبدلها. فشاغل الفلسفة يبقى أعلى اشتغالٍ لعقلانية مدركات الإنسان وفكره، بين المعرفة والسعادة والحكمة. وهي قد تضعف، بعد أن طلبوا منها الحلول محل الأديان، وأن ترسم وجهة التاريخ، وتصبح دستور جمهورية فاضلة.
لكنها ستبقى مُنيرة ومُنارة لعالي القوة الإنسانية: نور العقل.