اكتشف العلماء متحوراً جديداً من فيروس نقص المناعة البشرية الذي يُسبب مرض الإيدز في هولندا، ويبدو أنه يسرّع تطور المرض مقارنةً بالنسخ الأخرى من الفيروس.
يستهدف هذا الفيروس الخلايا المناعية CD4 في الجسم، ما يؤدي إلى تراجع عددها خلال فترة قصيرة. إذا لم تُعالَج الحالة في الوقت المناسب، قد تتحول العدوى الأولية إلى مرض الإيدز. حين يصاب المريض بالمتحور الجديد "في بي"، يتراجع عدد خلايا كتلة التمايز CD4 بسرعة تفوق ما يحصل مع المصابين بسلالات مترابطة من فيروس نقص المناعة البشرية، وهم حاملو النوع الجيني الفرعي "ب".
يقول المشرف الأول على البحث الجديد، كريس ويمانت، وهو باحث مرموق في قسم علم الوراثة الإحصائية وديناميات الأمراض في جامعة "أكسفورد": "في المتوسط، اكتشفنا أن المصابين بهذا المتحور قد ينتقلون من تشخيص المرض إلى مرحلة متقدمة منه خلال تسعة أشهر إذا لم يبدأوا العلاج أو إذا شُخّصت الحالة لديهم في عمر الثلاثينات. حتى أن تطور مسار المرض يتسارع بدرجة إضافية لدى الأكبر سناً".
لكن اكتشف الباحثون في دراستهم أن الأدوية المضادة للفيروسات المعكوسة (إنه العلاج النموذجي لفيروس نقص المناعة البشرية) تنجح في التصدي للمتحور الجديد "في بي" كما تفعل مع نسخ أخرى من الفيروس.
يوضح ويمانت: "حين يكون العلاج ناجحاً، يتوقف تدهور جهاز المناعة بسبب مرض الإيدز ولا يُنقَل الفيروس إلى أفراد آخرين".
تقول كاتي أتكينز من "كلية إدنبرة الطبية"، وهي أستاذة مساعِدة في "مدرسة لندن للصحة والطب الاستوائي": "يستعمل العلماء دراسة الحالة هذه للتشديد على أهمية حصول المرضى على العلاجات المناسبة. نحن نريد تقليص عدد الوفيات غير المبررة بسبب الإيدز بطريقة مباشرة، كما أننا نرغب في كبح كمية الفيروسات المنتشرة ومنع ظهور متحورات جديدة وأكثر خطورة".
كيف ظهر المتحور الجديد؟
كان ويمانت وعالِم الأوبئة المتخصص بالأمراض المعدية، كريستوف فريزر، عضوَين أساسيَين في مشروع BEEHIVE الذي يهدف إلى فهم الخصائص البيولوجية لفيروس نقص المناعة البشرية وتحديد مسار تطوره وعناصره الوبائية.
يقول ويمانت: "بدأ هذا المشروع في العام 2014، وقد نشأ في الأصل لفهم تأثير التغيرات الحاصلة في الفيروس والمشفّرة في المعطيات الوراثية على مسار المرض. يجمع هذا المشروع بيانات من سبع جماعات وطنية مصابة بالفيروس في أوروبا، وجماعة أخرى من أوغندا".
حلل فريق البحث بيانات من هذه الدراسة المستمرة ورصد 17 مصاباً بمتحور "مختلف" من فيروس نقص المناعة البشرية، وكانوا جميعاً يحملون كميات هائلة من الفيروس في دمهم في بداية العدوى (بين ستة أشهر وسنتين بعد التشخيص). جاء 15 شخصاً من المصابين من هولندا، ومريض واحد من سويسرا، وآخر من بلجيكا.
ينتمي المتحور الجديد إلى النوع الفرعي الجيني "ب"، وترتبط هذه الفئة بفيروسات نقص المناعة البشرية الأكثر شيوعاً في أوروبا والولايات المتحدة. بحثاً عن نماذج أخرى من هذا المتحور في هولندا، حلل الباحثون بيانات من الدراسة الوطنية المبنية على المراقبة ATHENA، وهي تشمل مجموعة كبيرة من حاملي الفيروس في هولندا، وكان المرضى قد تلقوا التشخيص بين العامين 1981 و2015.
استعمل العلماء بيانات التسلسل الجيني الفيروسي الخاصة بأكثر من 8 آلاف شخص، وكان 6700 فرد منهم مصابين بفيروسات النوع الفرعي "ب". داخل هذه المجموعة، رصد الباحثون 92 فرداً من حاملي المتحور المختلف "في بي"، فوصل عددهم الإجمالي إلى 109 أشخاص.
استناداً إلى البيانات العيادية المتاحة، كان الحمل الفيروسي لدى هؤلاء الأفراد عالياً أكثر من المصابين بسلالات أخرى من النوع الفرعي "ب" بمعدل يتراوح بين 3.5 و5.5. وفي فترة التشخيص، سجّل حاملو المتحور "في بي" مستويات أدنى من خلايا كتلة التمايز CD4 مقارنةً بالمصابين بمتحورات أخرى.
لتفسير سبب تصاعد حدة الفيروس، عاد الباحثون إلى جينوم متحور "في بي" بحثاً عن الأدلة، فاكتشفوا أن هذا المتحور يحمل طفرات عدة في أنحاء جينومه. لكنهم يعجزون حتى هذه المرحلة عن تحديد سبب جيني واحد ومعزول لتفسير زيادة عدائية الفيروس.
يقول جويل ويرثيم، أستاذ مساعد في الطب في جامعة كاليفورنيا، سان دييغو (لم يشارك في الدراسة الأخيرة): "من المستبعد أن تكون طفرة واحدة، أو حتى جينة واحدة، مسؤولة عن هذا التغيير. سيكون اكتشاف هذه الآلية عملاً مثيراً للاهتمام".
نجح الباحثون في تصميم رسم بياني اسمه "شجرة النشوء والتطور" انطلاقاً من البيانات الوراثية المتاحة، وهي تشبه إلى حد كبير أشجار العائلة البشرية العادية وتكشف نسبة القرابة بين أفراد مختلفين.
استناداً إلى هذه الشجرة، افترض العلماء أن متحور "في بي" ظهر للمرة الأولى على الأرجح في أواخر الثمانينات أو خلال التسعينات في هولندا. في تلك الفترة، كانت "إدارة الغذاء والدواء" الأميركية قد صادقت للتو على أول علاج مضاد للفيروسات المعكوسة لاستهداف فيروس نقص المناعة البشرية، ولم تكن العلاجات التي تستعمل خليطاً من مضادات الفيروسات المعكوسة شائعة بعد، وفق مراجعة نشرتها مجلة "الشؤون الصحية" في العام 2019.
توضح أتكينز: "خلال هذا العقد، ارتفع عدد المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية من دون تلقي أي علاج، ما يعني أن الفيروس لم يتعرض للقمع في أوروبا الغربية. كان يسهل أن ينتج هذا العدد المرتفع من المصابين غير الخاضعين للعلاج كمية فيروسية كبيرة قد يظهر منها متحور جديد".
تكشف الشجرة التي صمّمها الباحثون أن المصابين بمتحور "في بي" كانوا يحملون فيروسات قريبة من بعضها على نحو غير مألوف، ما يعني أن تطور الفيروس حصل بين فترة التقاط الفيروس ومرحلة نقله إلى أشخاص آخرين.
بعبارة أخرى، قد يكون متحور "في بي" سهل الانتقال أكثر من النسخ الأخرى من فيروس نقص المناعة البشرية. لكن لا يزال هذا الاستنتاج أقل تماسكاً من الأدلة التي تثبت زيادة عدائية الفيروس لأن شجرة الباحثين تقدم أدلة غير مباشرة حول قابلية انتقال الفيروس.
بعد ظهور المتحور "في بي" خلال الثمانينات أو التسعينات، ارتفع عدد المصابين به بإيقاع متواصل حتى العام 2010 تقريباً. في الوقت نفسه، بدأ عدد الإصابات الجديدة بهذا المتحور يزداد مقارنةً بمجموع الإصابات بالنوع الفرعي "ب". بلغت هذه الزيادة ذروتها بحلول العام 2008 ثم تراجعت بوتيرة ثابتة.
يضيف ويمانت: "قد يكون هذا التطور نتيجة ثانوية للجهود المكثفة التي بذلتها هولندا لكبح انتقال أي شكل من فيروس نقص المناعة البشرية، بغض النظر عن نوع المتحور". بدأت الإصابات المطلقة بمتحور "في بي" والنسخ الأخرى تتراجع في هذه المرحلة، ولا تكشف البيانات المتاحة معدل الإصابات بمتحور "في بي" مقارنةً بالحالات الأخرى.
لا يُعتبر اكتشاف متحور شديد العدوى من فيروس نقص المناعة البشرية مفاجئاً بالضرورة. يقول ويرثيم: "يتماشى هذا الاستنتاج مع نظرية التطور والنزعة إلى زيادة عدائية الفيروس كتلك التي شهدناها في الولايات المتحدة على مر العقود. لكني تفاجأتُ في المقابل باختلاف هذا النوع الجديد وحدّته".
يتوقع ويرثيم في المرحلة المقبلة أن تبدأ جماعات بحثية عدة حول العالم مراجعة بياناتها للتأكد من انتشار متحور "في بي" خارج هولندا، وهو يتطلع أيضاً لرصد أي متحورات مماثلة في أماكن أخرى من العالم.
باستثناء الحالات المسجّلة وسط أشخاص من سويسرا وبلجيكا، لم يرصد الباحثون أي أدلة أولية على ظهور المتحور الجديد خارج هولندا. لقد حللوا التسلسلات الجينية الفيروسية المتاحة علناً ولم يعثروا على أي أثر له في أماكن أخرى، لكن ربما أصيب عدد قليل آخر من الناس بهذا المتحور ولم يتم الكشف عنهم بعد.
بعد طرح التسلسل الجيني للمتحور "في بي" علناً، قد يتمكن باحثون آخرون في دول مختلفة من مراجعة بياناتهم الخاصة. وقد تكشف دراسات أخرى حول هذا المتحور طريقة تراكمه في الدم وما يفعله للقضاء على خلايا كتلة التمايز CD4 بهذه السرعة، حتى أنها قد تطرح تفاصيل إضافية عن طريقة تطور المتحور للمرة الأولى. جمع العلماء أدلة مفادها أن المتحور الجديد أنتج طفراته تدريجاً، الواحدة تلو الأخرى مع مرور الوقت، لكنهم لا يستطيعون التأكيد على حصول هذا التطور لدى عدد من الأفراد أو شخص واحد فقط.
هل يجب أن يقلق الناس إذاً من هذا المتحور الجديد؟ يجيب ويمانت: "لا داعي للقلق حتى الآن، لكن يؤكد ظهور هذا المتحور أهمية التوجيهات المعتمدة اليوم، ما يعني ضرورة أن يخضع المعرّضون لالتقاط فيروس نقص المناعة البشرية لفحوصات منتظمة لتشخيص المرض في مرحلة مبكرة ثم يتلقوا العلاج سريعاً عند الحاجة... هذه المبادئ تنطبق على متحور "في بي" أيضاً".