جاد حداد

خلايا الثدي بحليب الأم تحمل مؤشرات على سرطان الثدي

4 دقائق للقراءة

تكشف دراسات على الفئران أن هذه العملية تنجم عن تغيّرات في نسيج الثدي خلال الرضاعة، ما يؤدي إلى تقلّبات غير جينية وطويلة الأمد، لكن يصعب استكشاف هذا الجانب لأن معظم المتبرّعات بنسيج الثدي يخضعن لجراحة ويتراجع عدد المرضعات بينهنّ.

خلال الرضاعة الطبيعية، تصل كمية من الخلايا على سطح غدد الحليب داخل الثدي إلى حليب الأم. لم يكن العلماء يعرفون حجم المعلومات التي يمكن استخلاصها من تلك الخلايا على اعتبار أنّها تموت أو توشك على الموت، لكن أثبتت دراسة جديدة بقيادة فريق من "معهد كامبريدج للخلايا الجذعية" وقسم علم الأدوية في جامعة "كامبريدج" في بريطانيا، أن هذه الخلايا تبقى حيّة في الحليب ويمكن عزلها عن حليب الأم الذي يفرزه الثدي.

في تقرير نشرته مجلة "تواصل الطبيعة"، طرح الباحثون نتائجهم بعد تحليل خلايا الثدي للمرة الأولى. تقول كاريس بيتس، مديرة قسم المعلومات الصحية في جمعية أبحاث السرطان البريطانية (لم تشارك في الدراسة الجديدة): "تربط الأبحاث الراهنة بين الرضاعة وتراجع خطر الإصابة بسرطان الثدي. لكننا لا نعرف بعد السبب الكامن وراء هذا الرابط وتأثيره في مختلف فئات النساء وأنواع سرطان الثدي. يقال أن العوامل المؤثرة قد تشمل التغيّرات الهرمونية، وأثرها على الإباضة، وتغيّر الخلايا داخل الثدي. يكشف هذا البحث في مراحله الأولى الفرق بين أنواع الخلايا الناشطة خلال الرضاعة وفي الأوقات الأخرى، ما قد يسمح بتحديد نوع التغيّرات في تلك الخلايا. لكن لا تُحدّد الدراسة التغيرات المرتبطة بسرطان الثدي، إذا وُجِدت".

تغيرات غير جينية

لتحديد الفرق بين الجينات الناشطة خلال الرضاعة والأنواع الأخرى، عزل الباحثون خلايا الثدي من كميات حليب قدّمتها تسع نساء كنّ يرضعن أطفالهنّ منذ أقل من سنة وأجروا تحليلاً جينياً له. ثمّ قارنوا هذه الخلايا بعيّنات مأخوذة من أنسجة تبرّعت بها سبع نساء خضعن لجراحة تصغير الثدي.

يكشف نوع من التحليل الجيني اسمه "تسلسل الحمض النووي الريبي أحادي الخلية" أنّ الجينات التي تزداد نشاطاً خلال الرضاعة ترتبط بتفكيك الأحماض الدهنية وتخزينها، ونقل الزنك، وإفراز الحليب، والاستجابة المناعية. رصد العلماء أيضاً نوعَين مختلفَين من الخلايا المسؤولة عن إنتاج الحليب لدى النساء المرضعات.

يختلف هذا الاستنتاج عن الأبحاث السابقة التي تشير إلى وجود نوع واحد من الخلايا لدى الفئران. تفاجأ الباحثون حين اكتشفوا أن مجموعة واحدة من الخلايا كانت تحمل مستويات مرتفعة من الجينات المسؤولة عن الاستجابة المناعية، علماً أنها لم تكن ترتبط سابقاً بخلايا الثدي البشرية.

هذه النتيجة وحدها تُجدّد التساؤل حول سبب وجود خلايا الثدي في حليب الأم. يظن الباحثون أنّها قد "تُدرّب" مناعة الأطفال الرضع.

تقول الدكتورة أليسيا جاين تويغر من "معهد كامبريدج للخلايا الجذعية": "من خلال دراسة خلايا حليب الأم، قد نتمكّن من الإجابة على جزء من هذه الأسئلة المحورية حول وظيفة الغدد الثديية: كيف يفرز الثدي الحليب؟ ولماذا تجد المرأة صعوبة في إنتاجه أحياناً؟ وما هي أفضل الخطوات لتحسين نتائج الرضاعة لدى النساء"؟

أجرى الباحثون في المرحلة اللاحقة تحليلات إضافية لتحديد أصل تلك الخلايا، واستنتجوا أنها تختلف عن الخلايا السلفية اللمعية رغم مواصفاتها الجينية المتشابهة. لاحظ العلماء أيضاً أن تحديد مسار هذا الاختلاف يتطلب أخذ عيّنات من الخلايا أو الأنسجة لأنّها تختلف لدى النساء الحوامل، إذ يبدأ إفراز الحليب خلال الحمل ثم يزيد إنتاجه حين تنفصل المشيمة عن الرحم بعد الولادة.

يوضح المشرف الرئيس على الدراسة، وليد خالد، من "معهد كامبريدج للخلايا الجذعية": "نحن لا نقول إن الخلايا الموجودة في حليب الأم ستزول وتعطي مكانها للخلايا السرطانية. هذه المعلومة غير صحيحة. لكن بما أنّها تشبه المجموعة المعروفة باسم الخلايا السلفية اللمعية وتشتق على الأرجح من نوع الخلايا نفسه وتحمل مواصفاتها، أصبحنا قادرين فجأةً على دراسة هذه الخلايا بسهولة كبرى".

تبيّن أن تقديم عيّنات من حليب الثدي سهل حين تبدي النساء استعدادهنّ لفعل ذلك. كان عدد النساء في هذه الدراسة الأخيرة صغيراً، لكن يظن الدكتور خالد أن تحليل تغيرات الثدي بعد حالات حمل متلاحقة عبر استعمال خلايا معزولة من حليب الأم قد يعطينا فكرة أفضل عن صحّة المرأة: "يمكننا أن نجمع عيّنات حليب من أول حمل، ثم نجمعها مجدداً من ثاني أو ثالث حمل. في هذه الحالة، سنحصل فجأةً على لمحة حول تغيّر الثدي مع مرور الوقت. أظنّ أن هذه التجربة ستكون مثيرة للاهتمام فعلاً".

يعرف الجميع الأثر الواقي الذي تمنحه الرضاعة الطبيعية ضد سرطان الثدي منذ فترة، لكن لا تزال الآلية الكامنة وراء هذه المنفعة غير واضحة.