شربل داغر

سياسات القوة

دقيقتان للقراءة

القوة في عزّ قوّتها، لا سيما في الخطاب، في التصريحات، من روسيا وكوريا الشمالية حتى لبنان مروراً بإيران وغيرها.

القوّة في عزّ إنتاجيّتها، هي أسلحة وتقنيات وأجهزة وعتاد وتدريبات وخطط في الخفاء...

ومن يتابع عن قرب، وعن بعد، هدير القوة هذا، قد يتذكّر ما جرى في الاتحاد السوفياتي، بين ستالين وبريجنيف... قد يتذكّر السباق الحاد على التسلح وبناء الصواريخ العابرة للقارات، ووفرة الرؤوس النووية وغيرها.

لكننا قد ننسى أن جدار القوة العالي هذا هوى خلال أيام قليلة، وانكشف ضعف الاتحاد السوفياتي... العميق.

هذا ما تسعى إليه، اليوم، إيران، ومعها "دولة حزب الله"، مجددين الخطة القديمة، مع أوهامها المستعادة.

ذلك أن قوّة الحديد تبقى عرضة للذوبان إن لم ترفقها قوة في حياة المجتمع المعني نفسه : قوة تُطلق قدراته، وتنبني على قناعات أهله بالالتفاف حول مشروع التقدم المتعدد الوجوه فيه.

وهي قوةُ حديدٍ قد يصيبه الصدأ، إن لم ترفقه قوة في سبل الإنتاح المختلفة.

هل يُعقل أن هذا المجتمع قوي، إن لم ينجح في تحصيل لقمة عيش لائقة لأهله!؟ أهو قوي، إن لم يتوصل إلى بناء شقق مناسبة وكافية للمتزوجين الجدد، فلا يتزوّجون، مثلما يحصل في إيران، فيبقى العريس بعد زواجه في بيت أهله، والعروس في بيت أهلها؟ أهو قوي، إن كان -مثل سياسات "حزب الله" في لبنان- يرفع كرامته الوطنية عالياً، فيما بات الشعب في هوّة لا قاع لها؟

أهو قوي، إذا كان مجهود العلماء والباحثين فيه منصرفاً إلى إنتاج أسلحة الدمار، فيما يُمنع علماؤه وباحثوه الآخرون من إنتاج القوة في العلوم المختلفة، وفي الرفع من قوة الأكاديمية؟

أهو قوي، إذا كان هذا المجتمع يُدار من قبل أجهزة مخابراته من دون غيرها، من دون أي تمثيل حرّ وحقيقي لفئاته الاجتماعية؟

أتكفي لغة كاتم الصوت لإسكات الأصوات فعلاً؟

يبدو أن التاريخ لا يَتعلم منه من لا يقرأونه، لأنهم يرسمون أحلاماً نرسيسية لعدد من قادته الذين ينسون أو لا يعرفون أن قوة هتلر (التي كانت تتقدّم على غيرها في أوروبا) تهاوت وكلفت ملايين البشر.

ألا يمكن القول إن كلفة القوة المبدّدة هنا وهناك باهظة للغاية، وقد يتكبّدها من جديد الشعب الروسي قبل غيره؟