خضع الراحل لعملية في صمام القلب منذ ما يقارب السنتين، لكنه منذ شهر ونصف أصيب بالتهاب في صمام القلب الثاني ودخل إلى مستشفى "القديس جاورجيوس" لتلقي العلاج. بعدها انتقل الالتهاب البكتيري إلى الصمام الذي كان قد أجرى عملية فيه فأعطاه الأطباء مضادات حيوية لاستحالة خضوعه لعملية أخرى، بحسب زوجته شيلا كلارك التي أشارت إلى أنها "حين جاءت فجر أمس الى المستشفى لتزوره، وجدته غير مرتاح، عندها هرع الأطباء لإسعافه لكنه تعرض لسكتة قلبية، أدت الى توقف قلبه ومفارقته الحياة".

بداياته
وُلد سامي كلارك، واسمه الحقيقي سامي حبيقة، في قرية ضهور الشوير في أيار 1948. وانطلق في مجال الموسيقى في أواخر ستينات القرن الماضي بعد سنوات قليلة من التحاقه بكلية الحقوق في الجامعة اليسوعية في بيروت من دون التخرج منها.
بدأ مسيرته مع الأغنية الغربية، ونجح في تحقيق شهرة خصوصاً بفضل تعاونه مع المؤلف الموسيقي الياس الرحباني الذي منحه فرصة المشاركة في مهرجانات عالمية عدة، كان أولها في اليونان في العام 1970، حيث قدم أغنية "Jamais Jamais" وحصل على المرتبة السادسة. وقد أثمر التعاون بينهما أعمالاً لاقت نجاحاً بينها أغنية "موري موري" بالإنكليزية.
أمّا دخوله عالم الشهرة واكتسابه شعبيةً كبيرةً فكان في أواخر الستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، حيث شكّل مع مجموعةٍ من أصدقائه فرقةً موسيقيةً أطلقوا عليها اسم "Robin's". ومع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان أسس كلارك جمعية "New Lebanon" في العام 1976، والتي جمعت أكثر من أربعة عشر ألف شابٍ لمواجهة الحرب.
في 1980، شارك كضيف شرف في فيلم "آخر الصيف" الذي أدّى فيه أغاني عدة منها أغنية "موري موري" وفي العام التالي أصدر ألبوماً بعنوان "في الممر الأخير" ضمَّ مجموعةً من أشهر أغانيه ومنها "قلتيلي ووعدتيني"، "آه على هالإيام" و"لوين بدو يروح". وفي نفس العام غنّى شارة الفيلم الدرامي "حسناء وعمالقة" التي لحنها الموسيقار إلياس الرحباني.
في 1982، غنّى شارة فيلم "لعبة النساء" للملحن زياد الرحباني. لكنّ انتشار سامي كلارك القوي يعود لغنائه شارات مسلسلات كرتونية حققت نجاحاً كبيراً في ثمانينات القرن الماضي ولا تزال تتردد حتى اليوم، أبرزها "غرندايزر" الذي غنى له أغنية المقدمة والنهاية، و"جزيرة الكنز" إضافة إلى بعض الإعلانات.
وبين العامين 1970و1988 شارك في الكثير من المهرجانات العالمية وحصل على المرتبة الأولى في ألمانيا في العام 1979 والنمسا عام 1980 وبلغاريا في العام 1981.

أكثر من 700 أغنية
في تسعينات القرن الماضي قدم كلارك الكثير من الأغاني الناجحة أبرزها "قومي تنرقص يا صبية"، "تتذكري"، و"قاضي الغرام" تعاون فيها مع عددٍ من كبار الشعراء والملحنين أمثال جوزيف حنا وإيلي العليا وأنطوان رعد وزياد الرحباني. كما أطلق أغاني باللغة الأجنبية ومنها "Take me with you" من ألحان إلياس الرحباني والتي حققت نجاحاً هائلاً.
في تلك الفترة وبعد انتهاء الحرب اللبنانية قرر أن يترشح إلى مجلس النواب، ولكن لسوء حظه واجهه الكثيرون ووقفوا أمام تحقيق رغباته. منذ ذلك الوقت وبعد سنوات طويلة من العطاء الفني التي نتج عنها أكثر من 700 أغنيةٍ عربيةٍ وأجنبية، اتجه الراحل للأعمال الخيرية والإنسانية في جمعية مار منصور التي يُلقي فيها دروساً بالموسيقى. كما أنه استمرَّ بإحياء الحفلات في مختلف أنحاء الوطن العربي والولايات المتحدة الأميركية وكندا، وخصوصاً الحفلات التي يعود ريعها للجمعيات الخيرية والمساعدات الإنسانية.
في العام 2009، أصدر ألبوماً بعنوان "عودة كلارك" أعاد من خلاله إحياء سبع عشرة أغنيةً من أغانيه القديمة. وفي 2011 غنّى شارة البداية لمسلسل الجريمة السوري "كشف الأقنعة"، وكان هذا آخر ظهورٍ له في شارات المسلسلات.

وشارك منذ ثلاث سنوات في معرض "الانيمي" الذي أقيم في المملكة العربيّة السعوديّة، في الدورة الأولى من "موسم الرياض"، وقدّم على المسرح شارة المسلسل الكارتوني "غرندايزر"، برفقة المغنّي الياباني، الذي غنّى النسخة اليابانية منه وكذلك شارة مسلسل "جزيرة الكنز".
ورغم التراجع الكبير في إنتاجاته الفنية اعتباراً من تسعينات القرن العشرين، استمر في الإطلالات الإعلامية مع تقديم بعض الأعمال المتفرقة. كما تركز ظهوره أخيراً على الساحة الفنية المحلية من خلال حفلات أحياها ضمن فرقة ثلاثية حملت اسم "The Golden Age" (العصر الذهبي) مع زميليه المغنيين الأمير الصغير وعبده منذر.
كذلك جرى التداول باسمه إعلامياً في السنوات القليلة الماضية إثر رفضه عرضاً تلقاه ليكون مشتركاً في برنامج تلفزيوني مخصص لتعريف الجمهور العربي العريض بأصوات غنائية لأشخاص متقدمين في السن، بعدما اعتبر أن مثل هذه الدعوة تنتقص من قيمته الفنية كمغن مخضرم صاحب تاريخ حافل بالنجاحات.
وبقي كلارك حتى الأسابيع القليلة الماضية يحضّر لأعمال فنية جديدة، بينها إعلانه نهاية العام الماضي عن الإعداد لنسخة جديدة من أغنية الشارة لمسلسل "غرندايزر" مع فرقة سمفونية من بولندا بإشراف الملحن الإماراتي ايهاب درويش.

شــــهــــادات وتــــقــــديــــر
فور انتشار خبر وفاته، تصدّر هاشتاغ "سامي كلارك" موقع "تويتر" ونعاه الوسط الفني عبر "نداء الوطن":
بغصة واضحة نعاه صديقه عبده منذر قائلاً: "جمعنا برنامج "غالا 78" عبر اذاعة "صوت لبنان"، فكان سامي معد البرنامج بينما كنت رئيس الفرقة الموسيقية، ومنذ 1978 ونحن أصدقاء تجمعنا علاقة أخوية متينة ومميزة. كذلك، غنينا سوياً لمدّة 15 سنة ضمن فرقة "العصر الذهبي" التي فقدت أمس ركنها الأساسي"، مضيفاً: "سامي فنان كبير وقدير جال بصوته ارجاء العالم كله ومثل لبنان بأهم المهرجانات العالمية... انه انسان عظيم، وطني ومتواضع. أقدم عزائي لعائلته الصغيرة والكبيرة، وستبقى اغنياته خالدة على مرّ الأجيال".
تتزاحم الكلمات وتختلط المشاعر بالنسبة لـ"رفيق عمره" الأمير الصغير وبحزن واضح يقول: "توفي الساعة الخامسة والنصف فجراً، واتصلت بي زوجته شيلا فوراً واعلمتني... نفسي حزينة جدّاً فأنا اعرفه منذ 1975... موته خسارة كبيرة"، مضيفاً: "كُرّم في أكثير من مهرجان عالمي وأطلب اليوم من المسؤولين تكريمه بعد وفاته لانه يستحق ذلك بجدارة".
من جهتها، علّقت الليدي مادونا قائلةً إنّ "الراحل سفير السلام في لبنان، لانه كان محباً وصاحب قلب كبير. كان صديقي في الكونسرفاتوار، كما رنمنا معاً في رعية انطلياس وقدمنا الكثير من الحفلات معاً. كذلك جمعنا عمل مشترك في 1975 مع ماجدة الرومي والأب جان صادر، وهو عبارة عن اسطوانة اسمها "كيرياليسون" لزياد الرحباني وابن الأخطل الصغير. نعزي بعضنا البعض برحيل سامي كلارك الفنان الذي لن يتكرر، وليصبّر الله عائلته".
بدوره قال وائل جسار: "أعتبره عملاقاً انتقل الى رحمة الرب. تربينا على أغنياته، ولا سيما "غرندايزر" حيث كان صوته صادحاً في اذننا وما زال"، مردفاً: " الله يرحمه ويسكنه فسيح جناته ويلهم أهله الصبر والسلوان".

وأعتبر أمين الاعلام في نقابة الفنانين المحترفين طوني كيوان أنّ "الراحل فنان خلوق، ورغم نيله الجوائز العالمية بقي متواضعاً ومحباً مع كل زملائه ومع كل من تعامل معه. لا يمكننا اختصار مسيرته التي استمرت أكثر من 50 سنة من العطاء ببعض الكلمات. باسمي وباسم زملائي الفنانين اتقدم بالعزاء لعائلته خصوصاً وللبنانيين عموماً".
ونعاه الفنان نقولا الاسطا قائلاً: "سامي صديق قديم، كبرنا على صوته وأغانيه قبل أن يصبح زميلاً لنا. كان شخصاً متعدد المواهب، اجتمعنا معاً في أكثر من محطة، منها لجنة تحكيم احد البرامج وتشاركنا احياء الامسيات الفنية في ضهور الشوير. اعزي عائلته والجسم الفني ونقابة الفنانين المحترفين... "نفسو بالسما الله يرحمو".
وعبرّ الفنان غسان سليم عن حزنه قائلاً: "كيف يمكن ان نصف فناناً مثل سامي كلارك؟ نجاحات عالمية بالأغاني الغربية واللبنانية على السواء، اضافةً الى أخلاقه العالية ومحبته الكبيرة وتواضعه المميز".