منير يونس

المجلس النيابي مشرّع الأزمة... وفاتح أبواب جهنّم الانهيار

22 دقيقة للقراءة
أشبه بالفراغ
تقع المسؤولية الأولى في ما وصلت إليه البلاد من أزمات مستعصية مالياً واقتصادياً واجتماعياً على مجالس النواب المتعاقبة، قبل الحكومات المتعاقبة منذ الطائف إلى اليوم. يفترض أن لبنان محكوم بنظام برلماني السلطة فيه للشعب، فإذا بنحو 80% من الشعب عند خطوط الفقر المدقع وغير المدقع. وإذا بأبناء الشعب على قوارع الهجرة والبطالة، وكبار السن بلا ضمان شيخوخة، ولا تغطية صحية لشرائح واسعة من المواطنين. وإذا باقتصاد البلاد لا يستوعب خريجي الجامعات وطلاب الشغل، واحد فقط من كل 6 يخرجون إلى سوق العمل يجد وظيفة مستدامة، أو شغلاً بأجر يعتدّ به لبناء أسرة، والباقي يهاجر أو ينضم لجيش العاطلين عن العمل أو يتدبر أمره بلا أدنى عيش كريم.





الدور الرقابي المزعوم

لمجلس النواب، إلى جانب دوره التشريعي، دور رقابي على عمل السلطة التنفيذية، وعليه مراقبة تنفيذ الحكومة والوزراء القوانين التي يقرّها المجلس. وهذا من أساسيات أو بديهيات العمل البرلماني وفق سلطة الشعب عبر نوابه. وباستطاعة النواب استجواب وزير وطرح الثقة به وإسقاط حكومة وسحب الثقة من وزراء ومن حكومة كاملة. ويمكن تأليف لجان تحقيق برلمانية بصلاحيات قضائية. وفي المجلس لجان متخصصة بكل القطاعات لمتابعة ومراقبة عمل الوزراء كلّ حسب حقيبته.. هذا كلّه لم تشهده برلمانات لبنان كما يجب لإصلاح الاختلالات التي تراكمت حتى الانهيار.

إنقلاب على الطائف... وتشكيل «شركة» بإدارة الوصاية السورية

ما سبق كان يفترض أن يعمل ويجرب، لكنّ انقلاباً حصل على اتفاق الطائف في السنوات الأولى لتلمّس طريق التطبيق. انقلاب فرضته سلطة الوصاية السورية آنذاك، طوّعت من خلاله أمراء الحرب والمال في ما يشبه «شركة» يديرها النظام السوري بالعصا والجزرة، وضرب عرض الحائط بمضمون، ما نصّ عليه الطائف من آليات لإدارة الدولة لا سيما البرلمانية والحكومية منها ولم يبق إلا الشكل.

بداية الفشل الذريع للمجلس النيابي في أداء دوره

عوّض الزعماء في عهد الوصاية السورية نقص سيادتهم وكرامتهم الوطنية باقتناص فرص ثروة وتقاسم مغانم وأشكال سيطرة ومشاريع هيمنة تحققت لهم بفعل التزلّف لسلطة الوصاية، وبفعل القوانين الانتخابية «الخاصة» والفرز الطائفي الممنهج. ومع الوقت، بات لديهم ما سيستخدمونه لاحقاً لتثبيت نفوذهم غصباً أو طيباً بعد خروج الجيش السوري من لبنان.

ثم بدأ الانكشاف الفعلي الثاني للمجلس النيابي الذي فشل فشلاً ذريعاً في تأدية دوره كاملاً بعدما استعرت الخلافات ودبّت الصراعات من فوقه وتحته. فأصحاب النفوذ وادّعاء حصريات التمثيل السياسي والطائفي في المجلس أرادوا أن يكونوا أنفسهم في الحكومات نافذين أيضاً. فوجد النائب، الذي عليه تأدية دور الشرطي، أن له من يمثله في الحكومة بـ «حرامي» ربّما. بتنا أمام الشخص نفسه: الشرطي «حرامي» والعكس صحيح. اختلط الحابل بالنابل بفعل مجلس مكوّن ومدار من مجموعة قوى سياسية هي نفسها ممثلة في الحكومة. فأضحى باستطاعة الوزير أن يفسد أو يقصر كما يشاء إذا شاء، طالما هو محميّ من كتلته النيابية وزعيمه الأشوس.

جعلوا الشق الرقابي حرفاً يكتب ولا يلفظ

كما غاب الشق الرقابي أو انعدم في مجلس النواب لسبب آخر متصل بالأول. فبعد الخلافات تأتي التسويات والصفقات بين زعماء الطوائف والمتسلّطين عليها. وباتت تعلو، بعد غياب عصا الوصاية، ولا يعلو عليها أي دور برلماني. حوّلوا النواب «باش كتّاب» على ورق، والمجلس إلى منبر مزايدات عند ضرورة النكايات والخصومات السياسية لا ضرورة المحاسبة والرقابة.

غلبت التسويات السياسية الدستور وطمست نصوص كيفية إدارة الدولة. راحت التسويات تلوي عنق نصوص اتفاق الطائف والقوانين وأذرع الدولة متى تشاء بتوليفات تسويات مغلفة بقشرة خداع الحرص على «الميثاقية والعيش المشترك والمناصفة». خداع مشفوع عمداً ب «فزاعة» ضرورة الحفاظ على السلم الأهلي. وإن دلّ ذلك على شيء فإنه يدل أولاً على عدم إيمان زعماء الطوائف بالديمقراطية. يستخدمون شكلها مطية لهم باسم الطائفة. نقول «لهم» ( لأزلامهم ومناصريهم ومحازبيهم) لأنه لا يمكن للزعيم إرضاء كل أفراد طائفته، فهذا من صميم عمل الدولة. لذا عمدوا إلى تدمير مفهوم الدولة وآليات حكمها لاختصارها بهم دون غيرهم.

حوّلوا النائب إلى "باش كاتب"... شاهد زور وتابع عقيم

أما المجلس، والمحكوم كما قلنا بالتسويات الطائفية والزعامتية فهو نظرياً «سلطة» عندما يتخد قراراً بالأغلبية. وتلك السلطة لم تعد تلبي الشروط البرلمانية والتمثيلية الصحيحة للشعب إذا تمخضت من توافقات سياسية وطائفية بين أطراف وضعوا تسويات في ما بينهم خارج المجلس وأتوا بها إلى داخله ليحوّلوا النواب إلى تبّع أو شهود زور مغفلين أو مغلوب على أمرهم صاغرين. فتكرّست ممارسات تجاوز الدستور وآلياته لتثبيت معادلة قيام النظام على التسويات. وانحرفت الصيغة بطبيعة الحال من تسويات إلى اتفاقات تحاصص، خلاف ذلك يختلفون ويدخلون البلاد والعباد في دوامة هلع وخوف لدرجة تهديد النظام برمته.

بالتسويات لا يسقط فقط المجلس النيابي بل يسقط القضاء ويسقط الأمن. وعند الاحتدام المبرم يبتدعون أفكاراً مثل إقامة حوار وطني. فإذا بطاولة الحوار تضمّ معظم من هم في الحكم معاً أصلاً، وتتجاوز عمل المجلس النيابي مرة أخرى.

شدّ وجذب في العلن... وصفقات في السرّ

لم يخل الأمر عند تفاقم الأزمات في مكان أو آخر، من مطالبة نواب بتشكيل لجان تحقيق برلمانية في العديد من القطاعات التي فيها تجاوزات ومخالفات وروائح فساد وصفقات. كما حاول نواب استجواب وزراء وحكومات، والنتيجة كانت دائماً لا شيء ! لا تصل لجان التحقيق إلى الهدف الذي شكّلت لأجله، ولا يصل طلب الاستجواب إلى هدف وضع وزير على منصة الاستجواب.

وما حصل بين الحين والآخر من شدّ وجذب وتحميل مسؤوليات، عبارة عن صراخ لأغراض سياسية بانتظار عقد تسوية ما. يتخاصمون علناً، وعلى المنابر تعلو الاتهامات لكنهم، ووفقاً للآليات البرلمانية والقضائية السليمة، لا يحاسبون بعضهم بعضاً. وهناك أمثلة كثيرة مثل قضية صرف 11 مليار دولار التي أثيرت بوجه رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة التي فتحت لغرض سياسي وخمدت للغرض نفسه. كان هناك حدود دائماً في خطاباتهم النارية، وإذا خرجت عن السيطرة نجد دائماً من ينبري للتسوية بين الطرفين المتخاصمين كما حصل أيام التسوية الرئاسية بين تياري المستقبل والوطني الحر، وكما نشهد هذه الأيام وساطات حزب الله بين حركة أمل والتيار الوطني الحر.

بدعة الميثاقية لخدمة المنظومة... لا خدمة التعادل في الحقوق والواجبات

ومن بديهيات النظام البرلماني أنه إذا حصل خلل خطير تسقط الحكومة. المجلس لا يسقط لأنه ممثل الشعب. لا تسقط الحكومة إذا قاطعها وزراء طائفة تحت بدعة الميثاقية، لا تطير مبدئيا وقانونياً ودستورياً إلا إذا أخلّت بواجباتها وطرحت الثقة بها وحجبت عنها من أغلبية نيابية.

ما حصل ويحصل غاية في الاستهتار بالمجلس ككل. فالمجلس ليس سيّد نفسه عندما تقرر مجموعة سياسية إسقاط الحكومة لاعتبارات خاصة بهذه الطائفة أو تلك، هذه المجموعة السياسية المتحالفة أو تلك المناهضة. والإسقاط في لبنان لا يحصل بسبب فشل في الأداء أو التسبب بأزمة أو الاستهتار بالمواطن وحقوقه وحرياته وخدماته العامة.. بل تسقط لمجرد أن طائفة قررت لسبب خاص بها سحب أو استقالة وزرائها. والأخطر هو إمكان إقفال البرلمان كما فعل رئيس المجلس في 2006 و2007 لأسباب سياسية مغلفة بالميثاقية المزعومة.

وما الميثاقية في كثير من الأحيان إلا بدعة أرادوا الايحاء بأنها من وحي الدستور ليستخدموها إما للهروب من مسؤولياتهم، وإما لحشر خصومهم، وإما لإعادة فرض لعبة نفوذ جديدة لا علاقة لها بالأكثريات أو الأقليات البرلمانية. حاولوا ويحاولون دائماً تكريس فكرة الديمقراطية التوافقية التي للكل فيها حق «الفيتو» لا سيما الطوائف الأكثر عدداً، وهذا ضرب مبرح للقواعد الدستورية التي يفترض أنها ناظمة للحكم في لبنان وخصوصاً لعمله البرلماني.

صرخات الحسيني وعدوان والسيد... في وادٍ سحيق

وإذا وجدنا نائباً إصلاحياً، فلا يعدو كونه فرداً أو صوتاً يتيماً يغرّد خارج أي سرب. ويضعف تأثيره أمام الكتلة النيابية التي هي عبارة عن تأثير أكبر حكماً. وإذا وجدنا صوت كتلة يعلو في قضية حساسة تحاول الكتل الأخرى الأقوى في المنظومة كتم ذلك الصوت أو تسخيفه وتجاهله أو السعي لعقد صفقة ما معه لدخول نادي التحاصص والتسلط.

وهناك أمثلة عديدة على صرخات في وادي المجلس مثل الاستقالة الشهيرة لرئيس المجلس السابق النائب السيد حسين الحسيني في 2008 التي عرّى فيها الآليات التي اعتمدت للانقلاب على اتفاق الطائف، وشملت كلمته التاريخية آنذاك كيف أن العمل البرلماني بات فاقداً معناه.

وهناك أيضاً صرخة النائب جورج عدوان في 2017 عندما طلب تشكيل لجنة تحقيق خاصة بعمل مصرف لبنان، محذراً آنذاك من مفترق اقتصادي ومالي خطير، متنبّئاً بالذهاب إلى الهاوية. وعاد وذكّر العام الماضي بما كان حذّر منه وقال: طالبنا في 2017 بالتدقيق الجنائي في مصرف لبنان فرفضته المنظومة المتحكّمة بكاملها.

أما النائب جميل السيد فقد طلب مرّات عدّة تشكيل لجان تحقيق برلمانية في قطاعات مثل الاتصالات والمرفأ. وبعد يأسه قال غداة انفجار الأزمة: لا يوجد دور للمجلس النيابي. تغلبه صفقات وتسويات زعماء شركاء في الحكومات المتعاقبة.. مستهجناً كيف لم تشكل لجنة تحقيق برلمانية في موضوع مصرف لبنان (مركز زلزال الأزمة) رغم كل الفضائح.

انتفاضة 17 تشرين فضحت النواب قبل غيرهم وعرّت عجزهم

في الديمقراطيات محاسبة تحصل في الشارع أيضاً. انتفضت شرائح واسعة من اللبنانيين في 17 تشرين الأول 2019، لأنها يئست من نوّابها وحاولت إسقاط ليس الحكومة فقط بل النظام برمّته في الشارع، بعدما كانت تكرّرت محاولات التظاهر والاعتراض بعناوين مختلفة منذ 2015. انتفضت شرائح شعبية عابرة للطوائف ورفعت شعارات منها إسقاط النظام، والمقصود النظام البرلماني لأنّ الناس فقدت الإيمان بجدوى المجلس النيابي الذي خذلها بعدما فوّضته إدارة شؤونها وشؤون الدولة. وليس صدفة احتدام المواجهات بين القوى الأمنية والمتظاهرين على مقربة من مقرّ مجلس النواب، وليس صدفة أن أعنف المواجهات والانتهاكات حصلت هناك.

ارتعدت فرائصهم يوم طرح تشكيل «حكومة مهمة» كيف لنا الحصول على محاسبة في هكذا معادلة. ربّما كان الحلّ في فصل النيابة عن الوزارة. أو ترك رئيس الحكومة يشكل حكومة اختصاصيين من دون الالتفات إلى تمثيلهم أو إلى من يحميهم من الكتل النيابية. وهذا ما طرح غداة اندلاع الأزمة بمبادرة فرنسية لتشكيل ما سمّي ب»حكومة مهمة» من أصحاب اختصاص وتكنوقراطيين. فوافق الزعماء ظاهرياً والتفوا على المقترح. ناوروا ليبقوا ممثلين في أي حكومة. وأفضل تعبير عمّا فعلوه كان ما أشار إليه رئيس مجلس النواب نبيه بري من أن طائفته زاخرة بالاختصاصيين وأصحاب الكفاءات والتكنوقراطيين. وقال لهم ما معناه ضمناً: سأظل أعرض عليكم أسماء كما تشاؤون حتى تتعبوا. والعبرة في كلمة «سأظل» معبرة عن لسان حال كل الزعماء غير المقتنعين بحيادية واستقلالية أي لبناني، الكل ملوّن طائفياً وحزبياً، والمواطن ليس مواطناً بل من رعية هذا أو ذاك. وبالتالي لا تتعبوا عبثاً في خرافة ترك رئيس الحكومة يختار وفق معادلة لا يجد فيها الزعيم الطائفي ضالته.

الأزمة كشفت حمايات رياض سلامة في المجلس النيابي

منذ بداية الأزمة ألغت الحكومة والمجلس نفسيهما أمام مصرف لبنان، وتركت له، بشكل غير مباشر، مقاليد إدارة دفات ملفات اقتصادية واجتماعية واقتصادية إلى جانب إدارة النقد والمال والمصارف وخلافه. علماً بأن حاكم مصرف لبنان محميّ من مجموعة نافذين في التركيبة السياسية الحاكمة والمتسلطة. دعي مرّات عدّة إلى مجلس النواب ليتحدث إلى الشعب، إذا كان النواب يمثلون الشعب. رفض دعوات كثيرة، ولم نر رئيس المجلس ينتفض لكرامة المجلس وبالتالي الشعب؟ والأنكى عندما قال النائب ايلي الفرزلي إن الحاكم يتجنّب المجيء إلى مجلس النواب «كي لا يسمع كلاماً غير لائق به»!

شاهدوا العجوزات... فاقموها ونفخوا في فقاعاتها حتى الانفجار

بالعودة إلى أسباب الأزمة، وافق المجلس النيابي على كل ديون الدولة بما فيها الديون الخارجية التي تشرّعت بقانون منذ العام 1997. وتجدّد للحكومات دائماً السماح بالاقتراض لسدّ عجز الموازنة. معظم من في المجلس على مرّ تاريخه الحديث مساهم بشكل أو بآخر في تلك العجوزات التي صوّت عليها لأسباب الإنفاق الشعبوي الانتخابي حيناً، أو لأسباب متصلة بتعزيز إنفاق وزارات يتولّاها ممثل هذه الكتلة النيابية أو تلك. وافق المجلس دائماً على عجوزات متكرّرة ومتفاقمة سنوياً، من دون التوقف الحازم في أي سنة للقول: «كفى لم نعد قادرين على الاستمرار في نفق مؤداه الارتطام». أمعنوا في الاستهتار المالي الخطير رغم كل التحذيرات والتقارير المحلية والدولية المتخصصة وأبرزها من صندوق النقد والبنك الدوليين اللذين يستنجدون بهما حالياً.

أسهموا في اللامساواة ولا عدالة توزيع المداخيل والثروات

أقرّ المجلس كلّ الموازنات التي تضمّنت كيفية تحديد نسب الضرائب والرسوم وهي من أدوات إعادة توزيع الثروة إلى جانب وظائف أخرى لها. فإذا بنا خلال أقل من ربع قرن نشهد أحد أخطر تركزات الثروة في العالم: 1% من السكان اغتنوا وراكموا لأنفسهم أكثر من نصف الثروة الوطنية. وفي دراسات الاسكوا والبنك الدولي صنف لبنان بين أسوأ 20 دولة في العالم من حيث عدم المساواة في توزيع الثروة. فعشيّة الأزمة كان أغنى 10% من السكان يملكون 71% من مجموع الثروات الشخصية. وكان تقرير لصندوق النقد الدولي في 2017 أكّد أن 1% من المودعين يملكون أكثر من نصف الودائع، وأن 1% يستحوذون على ربع الدخل الإجمالي و10% فقط يستحوذون على 57% من إجمالي الدخل الوطني.

كذبة الإنماء المتوازن على أعين نواب المناطق الفقيرة

ما من بيان وزاري منذ الطائف إلى اليوم إلا وتضمّن فقرات بارزة عن الإنماء المتوازن. ومع ذلك بقيت المناطق الأكثر فقراً في لبنان منذ التسعينيات إلى اليوم هي نفسها وفي مقدّمها عكار وبعلبك والهرمل والنبطية ومناطق أخرى. لم يتحرك المجلس النيابي جدياً على مدى أكثر من ربع قرن لمحاسبة الحكومة على شعارها الفارغ إن لم نقل الكاذب. تحول النائب في منطقته الفقيرة إلى ملجأ الباحثين عن وظائف أو إلى حائط مبكى يشكي مثله مثل المواطنين بدموع تماسيح تضامنية شكلية ليستمر في ادّعاء تمثيل الفقراء. وكان ساد خلال فترة طويلة إقرار اعتمادات للنواب سمّيت «اعتمادات الزفت» يستخدمونها لتعبيد طرقات في مناطقهم عشية الانتخابات النيابية. مع سوء توزيع الثروة ونمو مناطق أكثر من أخرى تركزت أنشطة لبنان وأعماله وسكانه وضرائبه في بيروت وجبل لبنان، ما شكل اختلالاً فاقعاً وخطراً جداً. فالمعادلة المختلة على الصعد كلّها، وأبرزها أن أقل من ثلث النواب يمثلون مناطق تنتج 80% من الثروات مقابل أكثر من الثلثين لا يمثلون إلا الفتات الباقي.

٢٥٠ مليار دولار معظمها في إنفاق جارٍ وخدمة دين عام

وعلى سيرة الموازنات، أقرّ المجلس النيابي إنفاق نحو 250 مليار دولار في موازنات منذ بداية التسعينيات حتى 2019 لم تتجاوز نسبة الإعمار فيها 7%، أي ما قيمته نصف مليار دولار سنوياً على البنى التحتية والصيانة والاستثمار لخلق أصول عامة، مقابل 33% لخدمة الدين العام ومثلها تقريباً للرواتب والأجور تضاف إليها كلفة هدر الكهرباء وإنفاق تحويلات ودعم معظمه الإنفاق التوزيعي والزبائني في وزارات وهيئات ومؤسسات وجمعيات تابعة لهذا الزعيم أو ذاك في خريطة الحصص والهيمنات على عدد من مرافق وقطاعات الدولة. ويذكر أن تلك الموازنات التاريخية والضخمة بإنفاقها معلقة دستورياً من دون قطع حساب مدقق من ديوان المحاسبة لأن لا تدقيق نهائي للحسابات منذ 1979. ولا يريد المجلس النيابي تأدية دوره تاركاً الحسابات معلّقة إلى ما شاء الله وربّما عمداً حتى لا يحاسب أحد أحداً.

مضخة مال عام في عروق المصارف والثروات الخاصة

لم ينتبه المجلس النيابي أن الدين العام كان بدأ يتجاوز نسبة 100% من الناتج منذ ما قبل العام 2000. وهي النسبة التي تشتعل معها كل المؤشرات الحمراء المنذرة بقدوم أزمة لا محالة. رغم ذلك بقي المجلس يقرّ موازنات انفلاش مالي تموّل في جزء أساسي منها «حاجات» الزعماء والأحزاب في الإنفاق الزبائني وشراء الولاءات في الحشو الوظيفي في القطاع العام وفي تعظيم ثروات خاصة عبر تضخيم مناقصات ومقاولات وتلزيمات على حساب المال العام. ولم يعبأ المجلس بأن ثلث تلك الموازنات كان لخدمة الدين أي خدمة مجموعة مصارف تضخّمت رساميلها 150 مرة في وقت كانت فيه الدولة تغرق سنوياً أكثر في عجوزاتها القاتلة. أدّت الموازنات دور مضخة مال في عروق المصارف التي تحوّلت إلى فقاعة بأصول تتجاوز حجم الناتج بعدة مرات في مؤشر قلّ نظيره في العالم.

لا قانون يحدّد كيفية حساب سعر الصرف

بما أن سعر الصرف كان بين أسباب الأزمة، يجدر طرح سؤال حول كيفية تحديد نظام الصرف، وهذا يحتاج إلى قانون يقرّه المجلس النيابي. فالتثبيت حصل في 1997 من دون قانون ولا مرسوم ولا أي قرار رسمي يغطيه بالشكل الذي طبق به 22 سنة متواصلة. يفترض أن سعر الصرف في لبنان عائم و/‏أو حرّ نسبياً ومرتبط بمخزون الذهب. فوّض المجلس أمره للبنك المركزي واستمتع النواب برؤية ناخبيهم يلحسون المبرد سنة بعد أخرى في وهم مداخيل وهمية في جزء لا بأس به منها.

قانون نقد وتسليف في خدمة الحاكم بأمر المال والمنظومة

إلى ذلك، لم تجر أي قراءة لقانون النقد والتسليف منذ النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي عندما أقرّت تشريعات خاصة باندماج المصارف. كلّ التنظيمات اللاحقة أصدرها رياض سلامة بموجب تعاميم. تخلّى المجلس النيابي عن صلاحياته الخاصة بتنظيم قطاع مصرفي منيع حديث مموّل للاقتصاد وتجاهل حقيقة أن قانون النقد والتسليف أقر في ستينيات القرن الماضي. وفق ذلك القانون البائد في أجزاء منه تصرّف سلامة براحة شديدة تحت عناوين الاستقلالية وزعم المعايير الدولية. سحب التشريع المصرفي إليه بموافقة المجلس النيابي أو غض بصره. وراجت سردية ازدهار قطاع دعوه وشأنه ولا تعبثوا به، متجاهلين أن مصير الفقاعة هو الانفجار الحتمي في النهاية.

المجلس غير معني بالسياسات الاقتصادية... نعامة رأسها في الرمل

على الصعيد الاقتصادي، ومنذ بداية التسعينيات لم تطرح على المجلس النيابي خطة اقتصادية للمناقشة، ولا هو ألحّ في طلبها رغم أهميتها القصوى. كان الرئيس الأسبق للحكومة الشهيد رفيق الحريري منذ العام 1994 يطرح خططاً مثل خطة 2000 وخطة بكتل وغيرها في المحافل الدولية بدءاً من مؤتمر أصدقاء لبنان في واشنطن وصولاً إلى مؤتمرات باريس 1 و2 و3. واستكمل المشوار رئيس الحكومة السابق سعد الحريري في مؤتمر سيدر الذي طرحت فيه مشاريع بقيمة 23 مليار دولار من دون مناقشة ذلك في المجلس النيابي المعني الأول، لا سيما من زاوية ما يترتب على تلك الخطط من قروض خارجية هي من أسباب الأزمة أيضاً. ما كان يحوّل إلى المجلس عبارة عن اتفاقات قروض متفرقة لا رابط بينها ومن خارج سياق ترابط تلك الخطط التي كانت تزعم الحكومات المتعاقبة أنها كاملة هادفة للنموّ الاقتصادي وتشجيع الاستثمار والإنماء المتوازن.

قيادة سيارة في منحدر بلا ماء ولا زيت

لم يكلّف المجلس نفسه كثيراً ولا كلّف لجانه المتخصصة فتح نقاش جدي ومنهجي لأيّ من المؤشرات الحمراء التي بدت فاقعة منذ ما قبل العام 2000. كان شاهد زور على الدوام، والأخطر تفاقم خلال السنوات الـ10 الماضية خصوصاً العجز التجاري وعجز ميزان المدفوعات وعجز الموازنة والكلفة الباهظة لتثبيت سعر الصرف. تجنّب المجلس منذ العام 2000 طلب نقاش أي مشاريع إصلاح كانت تقدم في مؤتمرات دعم لبنان لا سيما مؤتمرات باريس التي وعدت فيها الحكومات بتصحيح المسارات والحؤول دون حصول أزمات. ليس صدفة كل ذلك التجاهل بل مقصود حتى لا يوضع المجلس أمام مسؤولياته الحقيقية ويستمرّ في دور هامشيّ لأن رئيسه مع رؤساء الحكومات والجمهورية أدرى بمصلحة البلد من أي نائب من هنا وهناك.

وعلى ذكر المؤشرات لم تطرح في المجلس النيابي قضايا حيوية مثل تدهور تصنيف لبنان في مؤشرات صادرة عن مؤسسات دولية خاصة بالفساد وتدهور مناخ الأعمال وشبه انعدام استقلالية القضاء فضلاً عن مؤشر التنمية البشرية وغيرها من المؤشرات التي تسارع تدهورها بشكل مريع منذ 10 سنوات في انحدار سنوي واضح وخطر.

قطاعياً، حصل بعض الاستثناءات لاعتبارات سياسية مثل مناقشة خطة الكهرباء في 2010 في سياق الصراعات السياسية التي كانت وما زالت قائمة إلى اليوم حول هذا القطاع.

خلاف ذلك تخلّى المجلس عن دوره في عقد جلسات لمناقشات السياسات الاقتصادية العامة التي كانت سارحة والرب راعيها وأشبه بقيادة سيارة بلا ماء ولا زيت في منحدر.

شكاوى من عدم تطبيق القوانين: تبرئة ذمة مفضوحة

أقرّت في العام 2014 لجنة نيابية غير دائمة لمتابعة تنفيذ القوانين تحت شعار أن الحكومات تعطّل مصالح المواطنين. واعترف النائب ياسين جابر في تصريح غداة اندلاع الأزمة بأنه لا يمكن معاقبة الوزراء في حال التقصير، فالأسلحة الديمقراطية المتاحة للنواب مثل الاستجوابات وطرح الثقة غير قابلة للاستعمال لأن الوضع العام لا يساعدنا. ويذكر أن بين تلك القوانين ما هو متعلق بالفساد والشراء العام والكهرباء والإصلاح الإداري واستقلالية القضاء ومكافحة الاحتكار والجرائم المالية.. أي معظم العناوين التي هي من صلب أسباب الأزمة.

وكان الرئيس بري يذكّر بين فترة وأخرى بتلك القوانين. ويقول منذ ما قبل اندلاع الأزمة إن عدم تطبيق القوانين يخلق أزمات اجتماعية وخدماتية. وإن تطبيقها هو المدخل الأساسي لمكافحة الفساد. وعندما يشكو رئيس مجلس النواب نبيه بري غير مرة، وكذلك فعل عدد من نواب كتلته لا سيما النائب ياسين جابر، من أن الحكومات لم تطبّق عشرات القوانين المقرّة في البرلمان، فإنما يشكو على نفسه. فبديهي التذكير بأن الحكومة موظفة عند المجلس والمجلس موظف عند الشعب. وهو الأولى بالعلم أنه بعد إقرار القوانين، على المجلس متابعة تنفيذها. ومراقبة السلطة التنفيذية، لا تعني الاكتفاء بالشكوى من عدم تنفيذ القوانين، فعدم التنفيذ يعني أن من وافق عليه مجلس النواب للعمل الحكومي يعمل على هواه غير عابئ بمصالح الناس ولا بانتظام عمل الدولة، والأنكى أنه لا يقيم وزناً للمجلس النيابي.

الأزمة لم تصل إلى ساحة النجمة بعد

والأغرب على الإطلاق أن المجلس النيابي، وبعد مضي نحو سنتين ونصف السنة على اندلاع الأزمة والانهيار، لم يكلّف نفسه الدعوة إلى عقد جلسة مخصصة لبحث الأسباب والتداعيات والمعالجات. وهذا ليس تقصيراً بل هروباً من نقاش حقيقي لا بدّ من مروره أولاً على المسؤولية الجسيمة لمجلس النواب. انهارت العملة وانهارت المصارف وتبدّدت الودائع وطال الفقـر 80 % من السكان ولم يتحرّك المجلس النيابي بشكل منهجي لمناقشة الأسباب والتداعيات. وما يُعقد من جلسات للجان يقتصر على أجزاء فرعية مثل مناقشة قانون ضبط التحويلات والسحوبات (كابيتال كونترول). بيد أنهم استنفروا جميعاً أيّام حكومة حسان دياب ليس لمناقشة الأزمة وتداعياتها وحلولها عندما كلفوا لجنة المال والموازنة الممثلة فيها كلّ الاحزاب لإسقاط الأرقام التي اعتمدتها حكومة دياب للخسائر. وكانت النتيجة أن أعمال تلك اللجنة أفشلت المفاوضات مع صندوق النقد الدولي آنذاك كرمى لحاكم مصرف لبنان وجمعية المصارف.

مجلس مشارك في الجرائم المالية

خلاصة القول إن المجلس النيابي هو المسؤول الأول عن الأزمة وتداعياتها، مهما حاول أولو أمره التنصل من مسؤولياتهم التاريخية، التي ستذكرها الأجيال بكثير من العجب والندب والشجب والغضب.

فلا هو ناقش يوماً السياسات الاقتصادية بمسؤولية وطنية حاسمة، ولا جرّب تصويب اعوجاجاتها المنحرفة نحو فقاعات مالية ومصرفية وعقارية. فقاعات كانت في أساس تحويل قطاعات واسعة من الإنتاج الخالق للنمو المستدام وفرص العمل إلى ريوع مالية ومصرفية تجمّعت أرقاماً وثروات فلكية في حسابات أقل من 10% من السكان.

ولا هو توقف كثيراً عند الاختلالات المالية الفاقعة في عجز الموازنة المتراكم سنوياً منذ 30 سنة، مع استسهال وتسهيل تمويل ذلك العجز بالدين العام الذي تحوّل صاعق تفجير للبلد واقتصاده وناسه.

ولا هو كان عابئاً بالإصلاحات المعروفة بتفاصيلها منذ العام 2000 عندما التزم بها لبنان في مؤتمرات دولية عقدت لإنقاذ الوضع المالي والاقتصادي المأزوم حد الانفجار منذ ذلك الحين.

ولا توقف عند سوء توزيع الثروة عندما ازداد الأثرياء ثراءً والفقراء فقراً، ولا سعى لإلزام الحكومات بشعارات الإنماء المتوازن، فبقيت المناطق الفقيرة هي هي منذ ما بعد الحرب إلى اليوم.

والأنكى، بعد انفجار الأزمة، أن مجلس النواب لم يعقد أي جلسة برلمانية عامة مفصلية لمناقشة الأزمة وأسبابها ونتائجها.

ولا بذل أيّ جهد حقيقي لايجاد حلول ما لأكبر أزمة في تاريخ لبنان صنّفت بين الأعنف في العالم منذ 150 سنة، وترك المجلس مصرف لبنان عمداً يخرق قانون النقد والتسليف ويغطي المخالفات المصرفية التي تعسّفت بحق صغار المودعين، ولا اهتزّ من مفرقه شعرة لخروج مليارات هرّبها نافذون خلال الأزمة، ولا توقّف عند مليارات نهبت من أموال الدعم.

والأخطر أنه عندما تحرّك، بطريقة مريبة، وشكّل لجنة طيّرت ما كانت تخطّط له حكومة حسان دياب من تشخيص مالي وتوزيع للخسائر وخطة للتعافي. فضاعت فرصة تاريخية كان يمكن، على علّاتها، أن تشكل مدخلاً للخروج من النفق. فضاعت الفرصة ومعها الوقت، ولا همّ لهم اليوم إلّا الفوز بالانتخابات مجدّداً لتصفية ما تبقّى من هذا المجتمع البائس.. أيّ إجرام هذا؟!