3 مليارات دولار من جيوب الناخبين لتمويل الانتخابات

5 دقائق للقراءة
معظم اللعبة قائم على سعر صرف الدولار... ولذلك كلفة تُسحب ممّا تبقى من أموال المودعين

وضعت حكومة نجيب ميقاتي جملة أهداف لعملها، أبرزها التفاوض مع صندوق النقد الدولي والبدء بإصلاح قطاع الكهرباء وإجراء الانتخابات النيابية.

فشلت حتى الآن في تحقيق أيّ تقدم يذكر في الملفين الأولين، وبقي لها «إنجاز» الانتخابات بأي ثمن، لأنّها تعرف أن لتأجيل الاستحقاق تداعيات يمكن التنبؤ بها من قراءة بيانات ومواقف جهات دولية تركز على ضرورة حصول هذا الاستحقاق في موعده.

بغض النظر عن الأجندات الخفية الخاصة بالراغبين في التأجيل، تجري على قدم وساق تحضيرات لتجديد منظومة الأحزاب الطائفية شرعيّتها إزاء الداخل والخارج. وهي متّفقة ضمناً على ضرورة تمويل هذا الاستحقاق جزئياً من المال العام.

بداية التحرك كانت عندما قرّر مصرف لبنان التدخل في سوق القطع لخفض سعر صرف الدولار مقابل الليرة، بعدما كان وصل نحو 33 ألف ليرة للدولار الواحد. وأخذ البنك المركزي الضوء الأخضر، بشكل مباشر أو غير مباشر، من الرؤساء ميشال عون ونبيه بري ونجيب ميقاتي، لأن للتدخل كلفة تسحب جزئياً ممّا تبقّى من عملات أجنبية في مصرف لبنان. وتقدّر المبالغ اليومية للتدخل بين 20 و30 مليون دولار، ما قد يساوي بين 1.5 و2 مليار دولار في أشهر قليلة كفيلة بتقطيع مرحلة الانتخابات من دون تقلبات في سعر الصرف، لا بل يمكن التثبيت نسبياً عند سعر المنصة التي يحدّدها مصرف لبنان.

وربّ قائل إن بين تلك المبالغ ما يستطيع مصرف لبنان تحصيله من شركات الصرافة وتحويل الأموال، إلّا أن ذلك لا ينفي ضخ أموال من البنك المركزي تظهر في التناقص الشهري لاحتياطي العملات، التي هي في حقيقة الأمر ما تبقّى من حقوق لأصحاب الودائع بالدولار.

وكان سبق التدخل في سوق القطع تعديل التعميم 161 للسماح للموظفين بقبض رواتبهم الهزيلة بالدولار، والسماح أيضاً لآخرين بالإفادة من ذلك التعميم الذي أكد فيه البنك المركزي للمصارف أن باستطاعتها تلبية حاجات عملائها من العملة الأجنبية على سعر صرف كان أفضل من السوق السوداء. فأسهم ذلك أيضاً في تهدئة تقلّبات الصرف، وتقريب أسعار السوق الموازية من سعر الصرف على منصة مصرف لبنان.

يضاف إلى ما سبق أن مصرف لبنان مستمرّ في الصرف من الاحتياطي لزوم بعض الدعم الباقي للقمح والدواء والمستلزمات الطبية وتأمين دولارات لمستوردي البنزين بسعر المنصة.

المحور الثاني للصرف الانتخابي ظهر في مشروع موازنة 2022 ، وتحديداً مبلغ 13300 مليار ليرة هي عبارة عن زيادة في المخصصات الاجتماعية للقطاع العام بواقع 7 آلاف مليار ليرة، والزيادة في بند مخصّصات الرواتب والأجور بقيمة 6300 مليار ليرة.

صحيح أن تلك المخصّصات مستحقّة، ولا تمثل الشيء الكثير، بعد تدهور سعر صرف الليرة وفقدانها أكثر من 90% من قيمتها مقابل الدولار، لكن الأزمة مفتوحة منذ أكثر من سنتين وليس صدفة الترويج حكومياً ونيابياً لتلك المساعدات والإعانات عشية الانتخابات النيابية. فبعدما جرى تيئيس الناس بأساليب مختلفة، وجعلهم يقبلون نسبياً بالأمر الاقتصادي المنهار، تأتي تلك الأموال كما لو أنها زيادة على الأجور علماً أنها ليست كذلك ولا تدخل في أساس الراتب، ما يعني أنها ليست تصحيحاً للأجور بل ترضية موقتة بانتظار جملة استحقاقات وتطوّرات من ضمنها الانتخابات النيابية. ولا يمكن التقليل من قيمة تلك «المنحة السياسية الانتخابية» لتهدئة خوف جيش الموظفين وغضبه، فكلفتها نحو 700 مليون دولار. ولا ننسى أن هذا المبلغ هو من جيوب الناس وفقاً للموازنة نفسها التي زادت فيها ايرادات الرسوم والضرائب.

ويذكر أيضاً أن ميزانية 2022 ليست إصلاحية كما كان متوقعاً منها . وأبقت على بنود تعدّ هدراً. لكن الحكومة ولفيف الزعماء ليسوا جاهزين لأي إصلاح بعد. لذا يستمرّ في الموازنة صرف يخدم ديمومة مصالح لا يريدون المساس بها خصوصاً عشية الانتخابات.

إلى ذلك، تضاف كلفة البطاقة التمويلية للفقراء التي يحكى عنها منذ أكثر من سنة ونصف من دون أيّ تقدم يذكر فيها. وفجأة تسارعت تحضيرات إطلاقها وصرفها، وحدد شهر آذار المقبل لذلك مبدئياً، أي عشية الانتخابات. وتقدّر كلفة تلك البطاقة بنحو 250 مليون دولار تعطى لنحو 250 ألف أسرة بمخصّصات شهرية تفوق المئة دولار.

على صعيد كبح جماح الأسعار لإرضاء المستهلكين أو الناخبين، كثفت وزارة الاقتصاد جولاتها الميدانية لتسطير محاضر ضد من تعتقد أن الأسعار في محالهم، لا سيما الاستهلاكية والغذائية، باهظة. علماً أن تلك الجولات مجرّبة سابقاً ولا تستطيع وضع حدّ جذري لتقلّبات الأسعار لا سيّما صعودها كلّما انخفض سعر صرف الليرة أكثر. ومع ذلك تستمر المداهمات بمواكبة كاميرات لتوظيف ذلك انتخابياً أيضاً.

وتعلم الجهات السياسية أن تلك الأموال التي تصرف عملياً من المال العام وقد تصل إلى 3 مليارات دولار خلال مدة قصيرة إذا استمرت على النحو الذي بدأت به، هي مقدمة لإعادة سحبها من الناس بزيادات ستطرأ على تعرفات الاتصالات والكهرباء والرسوم العقارية وكلفة السلع المستوردة التي سترتفع الرسوم عليها هي الأخرى بفعل تعديل ما يسمّى الدولار الجمركي فضلاً عن بنود أخرى في الموازنة زادت فيها الرسوم والضرائب غير المباشرة على عموم المكلفين. لكن الهم الأول لأحزاب المنظومة هو تقطيع مرحلة الانتخابات بالتي هي أحسن، ثم يعاد التفكير بكيفية الاستمرار في الصرف لا سيما من احتياطي العملات. ويذكر أنه في خلال 5 أشهر وتحديداً منذ تشكيل حكومة نجيب ميقاتي تناقص رصيد العملات الأجنبية في مصرف لبنان بنحو ملياري دولار على الأقل. وبذلك يكون مصرف لبنان قد تجاوز الحدّ الذي وضعه لنفسه والخاص بالاحتفاظ بما يسميه الاحتياطي الإلزامي الذي خفضه من 15 إلى 14% فإذا به أدنى من ذلك حالياً . بيد أن الحصول على نحو 1.1 مليار دولار قيمة حقوق السحب الخاصة من صندوق النقد الدولي أراح حاكم مصرف لبنان وحكومة ميقاتي نسبياً على أساس أنه يمكن حساب تلك المبالغ ضمن الاحتياطات بشكل أو بآخر.

مما تقدم يمكن الاستنتاج بسهولة أن المنظومة مستمرّة بشراء الوقت على حساب الناس ومن جيوبها.