ليس هناك من مرجعية دينية أو سياسية يستظل تحتها أبناء الطائفة السنّية في البقاع الشمالي، حيث يلاحقهم الإحباط كحال معظم أبناء الطائفة في لبنان، ويعيشون حال تململٍ ونفور من القيادة السياسية جراء الخيارات التي اتّخذتها في التسوية السياسية والرئاسية، ويرضخون للأمر الواقع المفروض عليهم، ويتعايشون مع محيطهم وأبناء البقاع ككل تحت سقف الحرمان.
يتميز البقاع الشمالي بنسيج إجتماعي وطائفي أعطى له مميزات عن سائر المناطق، تفرد بها وتغنى، لم يدخل في زواريب الحرب الأهلية، مسلموه دافعوا عن مسيحييه، يتقاسمون هموم المنطقة، ويتشاركون المشاكل والحرمان، ويفتقدون، ككل، وجود الدولة الغائبة إنماء وأمنياً في ظل سيطرة سلاح الأمر الواقع من قِبل المطلوبين والزعران ومافيات الخطف والسرقة.
غطى الآلاف من البقاعيين ساحة الشهداء في الرابع عشر من آذار بعد استشهاد الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وزحفوا بـ"البيك آبات" من عرسال والعين وبعلبك وغيرها من القرى والبلدات السنية، وأعلنوا الولاء لـ"تيار المستقبل" علّه ينقذهم مما هم فيه، وينظر إليهم كأبناء طائفة يمثلها في الدولة، ولهم حقوق ومكاسب أسوةً بغير مناطق، ولكن حسابات حقل السنة البقاعيين لم تطابق بيدر ممثلي الطائفة، "فالشمال له سياسيوه وممثلوه، والبقاع الغربي أيضاً، إلا البقاع الشمالي فهو يتيم الأب والمرجع"، يقول أحد أبناء الطائفة.
ثلاث دورات نيابية مرت دعم في إحداها "تيار المستقبل" لائحة تضم مختلف الطوائف، وكان أبناء الطائفة صادقي الوعد والتكليف، وأعطوا اللائحة ما تستحق من أصوات، لكن القانون الإنتخابي لم يكن مسعفاً لأحد، فالمحادل تسير وممثلو الطائفة السنية تحت رحمتها ورهن قرارها، حتى جاء القانون الإنتخابي الأخير وأعطى الأمل للسنة والمسيحيين معاً بإيصال ممثليهم إلى البرلمان من دون رافعة الصوت الشيعي و"حزب الله"، وبالفعل كان لكل من الطائفتين ممثلهما في الندوة البرلمانية من أصل أربعة، لنقل هموم ومشاكل أبناء الرعية المنسيين. دعم "تيار المستقبل" العام الماضي لائحة إنتخابية بالتحالف مع "القوات اللبنانية" ومستقلين شيعة، وأعلن عن مرشحين إثنين من الطائفة السنية موجهاً قراره بدعم أحدهما بالصوت التفضيلي، ما شكل شرخاً بين سنة عرسال والشمال وسنة بعلبك، وفي حين أن المفهوم النيابي لا يزال ضعيفاً عند البعض، إعُتبر المرشح الناجح أنه ممثل محلة معينة، من دون الوقوف على مطالب أبناء الطائفة ككل.
فقدان التعيينات
وعلى المقلب الآخر، فقد سنّة بعلبك عدداً من المراكز الإدارية التي كانت لهم بحكم التوزيع الطائفي، كمسؤول الشؤون البلدية والإختيارية في محافظة بعلبك - الهرمل، رئيس دائرة التربية، موقع طبيب القضاء في بعلبك، رئيس مكتب التنظيم المدني في بعلبك، كلها كانت مواقع للطائفة السنية تم تعيين موظفين شيعة فيها بالوكالة إلى أن يصبح الوكيل أصيلاً، إضافةً إلى غياب أي مركز أمني سني. ويقول مصدر مطلع: "تحت عنوان الطوائف الأولى والثانية تأخذ الطائفة السنّية حصتها من المراكز والتعيينات الإدارية في مكان آخر تتم فيه التعيينات، بحيث يتم إجراء التبديلات بين الطوائف في مختلف المناطق، فتعطى للشيعة مثلاً مراكز هنا ويأخذ السنّة مراكز في أماكن أخرى"، ويسأل عن "المسؤول في إنصاف سنّة بعلبك - الهرمل في دوائر الدولة وفق الحصص المخصصة لهم"، مطالباً بأن "تطبق النسبية في توزيع المراكز في بعلبك الهرمل بين الطوائف كما توزع المقاعد النيابية".
وفي شأن أوضاع المسلمين في بعلبك - الهرمل ودار الفتوى ومؤسساتها، يقول رئيس دائرة أوقاف بعلبك - الهرمل الشيخ سامي الرفاعي لـ"نداء الوطن": "مرّ منذ أيام إستحقاق مهم جداً وهو إنتخاب أعضاء المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى لتنظيم أحوال الطائفة السنية في لبنان، وأعضاؤه يقومون بواجبهم تجاه مؤسسات دار الفتوى"، وأشار إلى أن "المرسوم الإشتراعي رقم 18 لم يلحظ أي عضو لبعلبك على اعتبار أن بعلبك - الهرمل كانت ضمن محافظة البقاع، في حين أن طموحات أهالي بعلبك - الهرمل وعكار أن تراعى نسبة المسلمين وتنصف في هذه المناطق بالتمثيل في المجلس، كذلك يأمل الجهاز الديني في بعلبك - الهرمل على اختلاف مواقعه أن تشمله رعاية المؤسسة الأم وعنايتها، فالمعاناة كبيرة بسبب ضعف إمكانيات المرجعية الدينية كباقي مناطق الأطراف في عكار والجنوب وجبل لبنان، والمطلوب تلافي العجز في موازنات الأوقاف لتتمكن الأخيرة من القيام بواجبها تجاه الأئمة والموظفين وتأمين ما يلزمهم من تأمين صحي وغيره"، كذلك طالب الرفاعي "المجلس الشرعي بالنظر في الحالات الإجتماعية لأهالي المنطقة هنا في ظل الظروف الضاغطة"، مشيراً إلى أن "أبناء المنطقة يشعرون باليتم بسبب غياب المرجعية السياسية".