وظائف وإيقاعات تنظيمية حيوية
تنظّم الساعة البيولوجية داخل الجسم التقلبات الهرمونية التي تتطور على مر حياة الفرد. نتيجةً لذلك، تؤثر الشيخوخة على نشاطات مثل أنماط النوم واليقظة التي تصبح في بعض الحالات معطّلة ومجزأة.
الميلاتونين هرمون أساسي يتحكم بإيقاعات الساعة البيولوجية في الجسم، وتؤثر هذه الإيقاعات بشدة على بعض جوانب الوظائف والسلوكيات الجسدية، كما أنها تشارك في تنظيم النوم وتحافظ على وضع صحي جيّد بشكل عام. لذا قد يترافق تعطيلها مع عواقب بارزة.
تتعدد سلبيات قلة النوم، منها تراجع النشاط، وتعكر المزاج، وتصاعد الضغط النفسي، والشعور بالبرودة أو النعاس. قد تظهر هذه الآثار لدى الناس من جميع الأعمار. تعليقاً على النتائج العملية للدراسة الأخيرة، يقول الدكتور ريتشارد كاستريوتا المتخصص بطب النوم في "مركز كيك الطبي" في جامعة جنوب كاليفورنيا في لوس أنجليس (لم يشارك في البحث الأخير): "لن تعطي هذه الدراسة نتائج ملموسة على أرض الواقع، لكننا نعرف الآن أن زيادة استعمال الميلاتونين، على غرار أي أدوية أخرى لا تصادق عليها "إدارة الغذاء والدواء" وتُباع على شكل مكملات غذائية، تزيد احتمال ظهور الآثار الجانبية غير المرغوب فيها نتيجة "دفعة سيئة" لم تخضع للمراقبة أثناء التصنيع. عملياً، تُعتبر أي جرعة منخفضة من الميلاتونين (بين 1 و3 ملغ) آمنة، وهي تسمح في بعض الظروف بالسيطرة على اضطرابات إيقاع الساعة البيولوجية لكنها لا تُسهّل النوم عموماً. لكن عند أخذ جرعات متزايدة (بين 6 و12 ملغ)، قد يسهم الهرمون في معالجة الاضطراب السلوكي خلال مرحلة "حركة العين السريعة" وقد ينعكس إيجاباً على الوقاية من السرطان أو معالجته".
آثار غير مرغوب فيها
تتعدد الآثار الجانبية المزعجة التي ترافق استعمال الميلاتونين بانتظام، منها الدوار، وتشنج المعدة، والصداع، والغثيان، والارتباك أو الضياع، والاكتئاب، وتعكر المزاج، والقلق، وتراجع ضغط الدم، والرجفة.
ترصد دراسة سابقة نشرتها مجلة "جاما" رابطاً بين طفرات في مواقع مستقبلات الميلاتونين وظاهرة مقاومة الأنسولين وظهور النوع الثاني من مرض السكري. تستنتج هذه الدراسة أن تراجع مستويات الميلاتونين لدى المشاركين قد ينذر بالنوع الثاني من السكري، لكنها تعجز عن إقامة علاقة سببية واضحة بين العاملَين.
معايير غير جديرة بالثقة
في الوقت الراهن، لا تراقب "إدارة الغذاء والأدوية" عملية تصنيع مكملات الميلاتونين، لذا يخشى البعض أن تتجاوز الكميات المستعملة في خلطات المنتجات الرقم المذكور على الأغلفة بنسبة قد تصل إلى 478%.
يوضح الدكتور كريستوفر شميكل، خبير في طب النوم في "مركز سان دييغو الصحي" في كاليفورنيا: "هذا الوضع يزيد المخاوف من تلقي "جرعات زائدة"، ما يعني إغراق الجسم بمستويات تؤثر على الوظائف البيولوجية المهمة التي يقوم بها الميلاتونين، ما يُصعّب تقييم أثر الهرمون على النوم لدى المرضى لأن الجرعة الفعلية قد تتغير بين قرص وآخر أو بين زجاجة دواء وأخرى على الأقل. كذلك، قد تحتوي منتجات الميلاتونين التي لا تتطلب وصفة طبية على مستويات متفاوتة من عناصر أخرى، مثل السيروتونين الذي يسبق إنتاج الميلاتونين وقد يترافق مع آثار جانبية خطيرة عند أخذ فائض منه، ما يعني زيادة الآثار المعاكسة المحتملة. انطلاقاً من تجاربي العيادية الخاصة، يعتبر عدد كبير من المرضى الميلاتونين عنصراً "طبيعياً" لأنه يأتي على شكل مكمّل غذائي، لذا لا يقلق الناس من أخذه ولو بجرعات فائقة (أكثر من 5 ملغ). إنه وضع مقلق من الناحية الطبية. في غضون ذلك، لا يتردد البعض في إعطاء منتجات الميلاتونين الشائعة إلى الأولاد، فيصبح هؤلاء أكثر عرضة للآثار المعاكسة. سبق وبدأ العلماء يطوّرون ناهضات مستقبلات الميلاتونين، على غرار الراميلتيون، وهي تتطلب وصفة طبية. تستطيع هذه الخيارات، نظرياً، أن تعالج جزءاً من تلك المشاكل. لكن تبقى هذه الأدوية الحاصلة على براءة اختراع مكلفة جداً، ما يعني ألا تغطيها شركات تأمين كثيرة. لهذا السبب، لا تُستعمل هذه الأدوية على نطــاق واســــع في الأوساط العيادية".
راقبت دراسة جديدة راشدين يأخذون الجرعة الموصى بها من الميلاتونين (5 ملغ يومياً) وآخرين يأخذون جرعة تفوق هذه الكمية. قبل العامين 2005 و2006، اكتشف الباحثون أن المشاركين لم يأخذوا أكثر من 5 ملغ يومياً، لكن زادت نزعتهم إلى تلقي كمية إضافية من 0.08% خلال هاتين السنتين إلى 0.28% في العامين 2017 و2018. تبقى نسبة استعمال الميلاتونين منخفضة نسبياً، لكن تُوثّق هذه الدراسة زيادة لافتة في استخدامه خلال السنوات القليلة الماضية. تقول خبيرة النوم ريبيكا روبينز، وهي أستاذة في قسم طب النوم في جامعة "هارفارد" لم تشارك في الدراسة الأخيرة: "برز رابط بين أخذ مساعِدات النوم ودراسات تتمحور حول الإصابة بالخرف والوفاة المبكرة. الميلاتونين نوع من مساعدات النوم".
منافع محتملة
تكشف الأدلة حتى الآن أن الميلاتونين يتمتع بخصائص مضادة للأكسدة والالتهاب، حتى أنه قد يحمل قدرات علاجية أخرى. هو يخضع للدراسة راهناً، نظراً إلى أهميته لمعالجة مشاكل صحية غير مرتبطة بالنوم.
في ما يخص الدراسة الأخيرة، تبرز قيود عدة كان يُفترض تجنّبها، منها الاتكال على تجارب المشاركين الشخصية، واستعمال خلطات غير متجانسة، وتراجع عدد مستخدمي الميلاتونين في بعض المجموعات الفرعية، وغياب أي تقديرات جديرة بالثقة في الجماعات العرقية والإثنية المتنوعة، وقلة البيانات المرتبطة بتداعيات أخذ جرعات مرتفعة من الميلاتونين على المدى الطويل.