حضرتك تاريخ من الفن. أخبرنا عن هذه المسيرة العريقة وتعاملك مع أبرز الفنانين.
بدأت مشواري الفني في عمر التاسعة عشرة فاستلمت الفرقة الموسيقية في برنامج Gala78 للفنان سامي كلارك الذي كان يدعم المواهب الجديدة. كان التسجيل باستوديو بعلبك ويبث على إذاعة صوت لبنان.
توطدت معرفتي بالفنانين الكبار آنذاك ومن شدة إعجابهم بالبرنامج وبطريقة أدائي الموسيقي فيه، بدأت تنهال علي الاتصالات من الفنانين كافة ومنهم صباح، وديع الصافي، نجاح سلام وسعاد محمد.

سافرت الى السعودية عام 1980 لفترة وجيزة اذ رجعت الى لبنان عام 1982 ملبياً نداء الرئيس بشير الجميل لأجل الاستحقاق الرئاسي. أسست حينها استوديو لتسجيل الصوت مع طوني فرح في الأشرفية ونفذنا الأغاني لفنانين كثر كإدغار سمعان وميلاد الغريب وآخرين غيرهم من النجوم، فذاع صيتي في التوزيع وكثر الطلب عليّ خصوصاً لكوني بارعاً في مزج اللحنين الشرقي والغربي. أطلقت أغنية "أمّورة" بالمصرية مع أنني لبناني و"شايف حالي"، فحصدت نجاحاً منقطع النظير.
كتبت الموسيقى ووزعتها للفنان اللبناني Carl S الذي يغني بالانكليزية عام 1983 من خلال برنامج FIDOF بإدارة الفنان سامي كلارك. فذهبنا الى ألمانيا الشرقية للمشاركة بمهرجان "روستك" الدولي. ولأول مرة في حياتي قدت حينها أوركسترا مؤلفة من 45 عازفاً وأنا في الثالثة والعشرين من العمر.

توسّع العمل في الاستوديو فسنحت لي فرصة التعرف على مايز البياع وأحمد دوغان وغيرهما من الفترة الذهبية، حتى علمت بي الفنانة ماجدة الرومي عبر الموسيقي ريشار السلفيتي الذي كان يعمل معها. تعرفت عليها وعلى زوجها أنطوان وأعجبت بنمطي الموسيقي الذي يشبهها، فبدأت مسيرتي معها من العام 1986 حتى العام 2000 قائداً لفرقتها وملحناً وموزعاً لأغانيها.

كثرت في تلك الفترة البرامج التلفزيونية والمهرجانات، إستلمت فيها الفرقة الموسيقية لأسماء عربية كبيرة مثل نبيل شعيل وعبدلله الرويشد وذكرى وأصالة نصري ووردة الجزائرية وغيرهم. "شغلت" الشاشات وكبر اسمي وعملي معاً.

ماذا عن عملك في حقل التلحيـــــــــــن والتوزيع؟
لم أكن مهتماً بإعطاء الألحان لأحد كوني حصرت مواهبي مع الفنانة ماجدة الرومي، فكنت أعطيها حصراً أي لحن جيّد لديّ. أطلقت العنان لنفسي بعد افتراقي عن الفنانة ماجدة، فلحنت للفنان نقولا الإسطا وكارول سماحة وطوني كيوان وعبير نعمة وهاني العمري وغيرهم. كذلك لحنت للايدي مادونا في مسرحية "غادة الكاميليا" ومسرحية "صخرة طانيوس" وغيرها من المسرحيات. ولم تقتصر مشاركتي على التلحين فحسب بل تعدته الى التوزيع والتسجيل أيضاً. عشت عصراً ذهبياً ونشاطاً لا يهدأ.

أي من الأغنيات التي لحنتها للسيدة ماجدة الرومي تعتبرها الأحــــــــب الى قلبك؟
"كن صديقي" هي من أكثر الأغنيات التي لاقت نجاحاً. وقبلها أغنية "بسمعك بالليل" من كلمات نهى التي اكتشفنا لاحقاً أنها لماجدة نفسها. وأغنية "سقط القناع" وهي من ألحاني وألحان إيلي شويري ولكنها سجّلت باسم إيلي لحناً وعبدو منذر توزيعاً فمثلاً: مقطع "حرٌ وحرٌ وحرُ" لإيلي شويري، بينما "قتلاك أو جرحاك فيك ذخيرة" لي أنا. كان التعاون جميلاً بيننا. ولطالما اشتغلت كملحن وموزّع لأضفي الى عملي رونقاً مميزاً بغض النظر عما اذا كنت أنا الملحن أم لا.

ما رأيك ببرامج الهواة؟
أنا من الداعين للتجديد وأوافق المخرج سيمون أسمر بقوله: "كل أربع سنين لازم يطلع فنانين جداد وليس كل أربعة أيام". لذلك كان موعد "استوديو الفن" كلّ أربعة أعوام ما يفسح في المجال للمتخرجين الجدد بتكوين أنفسهم وتحقيق ما يصبون إليه وإثبات وجودهم على الساحة الفنية.
وأنا مع تشكيل لجان تحكيم حقيقية تختلف عن سابقاتها إذاً أنا مع برامج الهواة بنفسٍ جديد كلّ مرة، ولجانٍ لها باع طويل في الموسيقى والخبرة الكافية للحكم على فنانين جدد.


هل خلطت لعبـــــة التسويــــق معاييــــر النجومية اليوم؟
اليوم يأتيك فنان جديد على عدد الدقائق. تغصّ الراديوات بأغانٍ جديدة كل لحظة. هذا أمر جيد بما انه دليل على اهتمام الناس بالفن ولكن المشكلة في المتابعة، لأن الإنتاج يتطلّب جهداً ومالاً وفيراً من ناحية التنفيذ والتسويق. وأشدّد على التسويق هنا لأنه الأهم، عدا عن جمال الأغنية طبعاً. جمال الأغنية والمال الوافر والقدرة على التسويق النوعي كلّها عناصر ترفع الفنان إلى مرتبة جيدة. أما إذا لم تترافق الأغنية الجيّدة بتسويق نوعي ومناسب فلن يسمع بها أحد.

هل اختلف تلحين اليوم عن الأمس؟
كنا سابقاً نتّبع موجةً معينة ونوعاً معيناً من الألحان يرتبط بالمقامات الموسيقية الجميلة. لم نكن نعمل على الكومبيوتر ونصنع الموسيقى على الآلات الالكترونية والرقمية. كان العمل على اللحن مرهقاً ودقيقاً. كان علينا الاهتمام بأدقّ التفاصيل وصياغة الكلام بحيث يتطابق مع اللحن من البداية حتى النهاية، إضافة الى إعطاء الكوبليهات حقها وإشباعها موسيقياً لتكون الأغنية محترمةً لأذن المستمع. أما بعض الملحنين اليوم فلا يعرف المقامات والأوزان. تكون عند هؤلاء فكرة أولية أو نغمة فيتكفل الموزع بتنفيذها من دون أي تعاطٍ مع صاحب الفكرة. فأين حقوق الموزع من الملحن؟

كل شيء تغير اليوم. كثرت الآلات والأصوات وتعدّدت طرق التنفيذ، ولكن للأسف مع كلّ هذا التطوّر فقدنا الإحساس الجميل والبساطة في الأغنية. كان اللحن يأخذنا بعيداً عندما نسمعه سابقاً. شتان ما بين لحن اليوم والأمس. بتُّ لا أعلم كيف تركب الكلمات والألحان مع الموسيقى. ثمة جنون مطلق يسود حالياً في التعاطي مع الموضوع فالطبول تقرع على كلام هادئ والعكس، فاختلط الحابل بالنابل.

هل أنت مع مبدأ الأغنية التجارية التي تشغل الملاهي وأماكن السهر لفترةٍ قصيرة؟
لكلّ مكان أجواؤه، فالناس تحب الرقص والإحتفال ولا مانع في ألحان ترضي جميع الأذواق. أنا مع الإبداع وأطبق مبدأ النسبية في كل شيء. لكن ذلك لا ينفي وجود شروط محدّدة لبقاء الفن راقياً وهادفاً. لا أحبّذ الاستماع الى الاغاني الصاخبة في الصباح مثلاً. الفن هو ذوقٌ في الأساس، وللأسف تغيّرت الأذواق اليوم فتدنى المستوى على أكثر من صعيد من اللحن والموسيقى الى الكلام وصولاً الى المتلقي.

ما هي نصيحتك للجيل الجديد؟
أدرسوا ولا تملوا واستفيدوا من الوزنات التي رزقكم بها الخالق. لا تبحثوا عن الربح السريع بل أتقنوا ما تفعلون واحصلوا على الشهادات العالية. إرجعوا الى العائلة والى القيم الإنسانية لأنها الوحيدة التي تربط بعضنا ببعض، وهكذا ننهض بوطننا الحبيب مجدّداً.
