جاد حداد

الأسماك "تكلّمت" طوال 155 مليون سنة!

4 دقائق للقراءة

تخترق جميع أصوات النعيق والزقزقة والأنين مياه الأرض، على غرار الأصوات المتنافرة التي تملأ هواء غاباتها. تكون الشعاب المرجانية مثلاً أماكن صاخبة على نحو مفاجئ، وتُصدِر الأسماك معظم الضجة المسموعة.

يقول عالِم البيئة، آرون رايس، من جامعة "كورنيل": "نعرف منذ وقت طويل أن بعض الأسماك يصدر أصواتاً معينة، لكن لطالما اعتُبرت هذه الظاهرة نادرة واستثنائية".

افترض الكثيرون أن الأسماك تتكل في المقام الأول على وسائل أخرى للتواصل، بدءاً من الإشارات الملوّنة ولغة الجسد وصولاً إلى الكهرباء. لكن أثبتت أحدث الاكتشافات أنها جزء من جوقات تنشط خلال الفجر والغسق، على غرار العصافير.

يوضح أندرو باس، خبير في علم الأعصاب التطوري في جامعة "كورنيل": "أغفل العلماء عن هذه الظاهرة على الأرجح نظراً إلى صعوبة رؤية الأسماك أو سماعها، ولطالما ركّز علم الصوتيات تحت الماء على الحيتان والدلافين بشكلٍ أساسي. لكن تحمل الأسماك أصواتها الخاصة أيضاً ويكون بعضها مشابهاً لصوت الصفارة الضبابية المدهشة".

جمع رايس وزملاؤه معطيات حول المواصفات التشريحية والتسجيلات الصوتية وحددوا خصائص فيزيولوجية متعددة تسمح لمجموعة من شعاعيات الزعانف بإصدار هذه الأصوات الصاخبة من دون الحاجة إلى أي أحبال صوتية. تشمل هذه المجموعة أكثر من 34 ألف فصيلة حية في الوقت الراهن.

يضيف رايس: "تستطيع هذه الأسماك أن تشدّ على أسنانها أو تُحدث ضجة أثناء تحركها في الماء، وقد رصدنا عدداً من التخصصات ذات الصلة. قد تتعلق الآلية الأكثر شيوعاً على الأرجح بالعضلات المتصلة بمثانة العوم. تكون هذه العضلات لدى سمك الضفدع الأسرع انقباضاً من بين عضلات الهيكل العظمي لدى الفقاريات. إنها أجزاء عالية الأداء".

من أصل 175 فئة من الأسماك، يتواصل ثلثا هذا العدد عن طريق الأصوات، ما يعني أن عدد الأسماك التي تميل إلى الثرثرة يفوق التقديرات السابقة التي اقتصرت على خِمْس الأسماك المعروفة. تكشف التحليلات أيضاً أن هذا الشكل من التواصل عبر الأصوات تطوّر على الأرجح بطريقة مستقلة وتكرر 33 مرة على الأقل لدى الأسماك. من الواضح أن هذه الكائنات لديها مسائل مهمة لتقولها!

على صعيد آخر، يبدو أن "كلام" الأسماك ظهر منذ 155 مليون سنة تقريباً، ومن اللافت أن تتزامن تلك الفترة مع ظهور أدلة حول لجوء الحيوانات البرية التي تحمل عموداً فقرياً إلى استعمال الأصوات للمرة الأولى أيضاً.

يكتب الباحثون في تقريرهم: "تدعم نتائجنا بقوة الفرضية القائلة إن السلوكيات الصوتية قديمة. تكشف هذه الاستنتاجات مُجتمعةً نزعة انتقائية قوية تشير إلى تطوّر هذه الصفة وسط سلالات الفقاريات".

كانت الأسماك في بعض المجموعات أكثر ميلاً إلى الثرثرة، وتُعتبر أسماك الضفدع والسلور من الأكثر تعبيراً بينها. يقول رايس وفريقه إن تحليلهم يثبت بكل بساطة وجود أسماك تُعبّر عن نفسها بالأصوات، لكن لا شيء يثبت غياب الأصوات نفسها لدى أصناف مختلفة. ربما لم نرصد الأصوات بدقة بعد لسماع المجموعات الأخرى.

في ما يخص محتوى الكلام، تثرثر الأسماك على الأرجح حول الطعام، أو تحذّر من المخاطر المحتملة، أو تتكلم عن المناسبات الاجتماعية (بما في ذلك المواقع المحيطة بها) والجنس طبعاً. لكن من يعلم أي أسرار أخرى تجمع بين الأسماك؟

حاول بعض الباحثين استعمال أغاني الأسماك على شكل صفارات إنذار تحت الماء لدفعها إلى تجديد الشعاب المرجانية.

في النهاية، يقول رايس: "السمك يقوم بكل شيء. هو يتنفس الهواء، ويطير، ويأكل جميع الأصناف المتاحة. في هذه المرحلة، لا شيء سيفاجئني عن الأسماك والأصوات التي تصدرها".

نُشرت نتائج البحث في مجلة "علم الأسماك والزواحف".