واشنطن تُخيّر أنقرة بين العقوبات ووقف النار

5 دقائق للقراءة
مقاتلو "قسد" يحرقون الإطارات لحجب الرؤية عن المقاتلات التركية

تتسارع التطوّرات في الشمال السوري الملتهب بالتزامن مع التحرّكات السياسيّة والديبلوماسيّة التي لا تهدأ، إذ فرضت عمليّة "نبع السلام" نفسها على الساحة الدوليّة، لما تحمله من مخاطر جيوسياسيّة وانسانيّة، في وقت رفض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمس الضغوط الدوليّة لحضّه على وقف "غزوته" لشرق الفرات، فيما أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترامب نائبه مايك بنس ووزير خارجيّته مايك بومبيو إلى أنقرة لإقناع أردوغان بوقف إطلاق النار، مهدّداً بسيف "العقوبات المدمرة".

وبعدما أعلن أردوغان أنّه لن يتباحث سوى مع ترامب، عادت الرئاسة التركيّة لتؤكّد أنّه سيلتقي المسؤولين الأميركيَيْن اليوم، فيما حذّر مكتب بنس من أنّ واشنطن ستفرض عقوبات اقتصاديّة عقابيّة إذا لم يتمّ التوصّل إلى وقف فوري لإطلاق النار، بينما أكّد أردوغان مجدّداً رفضه "الجلوس على الطاولة نفسها مع منظّمة إرهابيّة"، في إشارة إلى "وحدات حماية الشعب" الكرديّة، مؤكّداً أن على المقاتلين الأكراد أن يلقوا سلاحهم ويتراجعوا.

وشدّد الرئيس التركي على أن بلاده ليست قلقة من العقوبات الأميركيّة ولن تمتثل أبداً لطلب واشنطن بإعلان وقف لإطلاق النار.

من ناحيته، هدّد ترامب بفرض "عقوبات مدمّرة" على تركيا، في حال لم ينجح اللقاء بين بنس وأردوغان. كما رأى أن "الأكراد محميّون بشكل جيّد"، مضيفاً: "هم يعرفون كيف يُقاتلون وليسوا ملائكة". لكنّه عاد ليقول في الوقت عينه إنّ "حزب العمال الكردستاني، الذي هو جزء من الأكراد كما تعلمون، هو على الأرجح أسوأ في الإرهاب ويُشكّل خطراً إرهابيّاً أكبر بأوجه عديدة، من داعش". وإذ نفى أن يكون قد أعطى "ضوءاً أخضر" لأردوغان لشنّ العمليّات ضدّ "قسد"، هوّن من شأن الأزمة التي أثارها التوغّل العسكري التركي، معتبراً أن الصراع هو بين أنقرة ودمشق، و"لا بأس" إذا قدّمت روسيا الدعم لدمشق. ولفت إلى أن فرض العقوبات على تركيا سيكون أفضل من القتال.

ميدانيّاً، دخل جيش النظام برفقة القوّات الروسيّة مساء أمس مدينة كوباني في شمال سوريا، بموجب اتفاق مع الإدارة الذاتيّة الكرديّة في مواجهة الهجوم التركي المستمرّ ضدّ مناطق سيطرتها، وفق ما أفاد "المرصد السوري". كذلك، اندلعت اشتباكات عنيفة بين الجيش السوري والقوّات الكرديّة من جهة، والفصائل المقاتلة الموالية لتركيا من جهة أخرى، شمال شرقي عين عيسى. وأوضح "المرصد السوري" أن المعارك تدور بالقرب من الطريق الدولي. وقُتِلَ عسكريّان في جيش النظام جرّاء قصف مدفعي شنّته الثلثاء الفصائل الموالية لتركيا على أطراف عين عيسى. ويأتي ذلك، غداة مقتل جندي في الجيش أيضاً خلال قصف مماثل بالقرب من منبج.

وبدأت موسكو تملأ الفراغ الذي خلّفه انسحاب القوّات الأميركيّة، ولتفادي وقوع مواجهات بين قوّات النظام والقوّات التركيّة، أعلنت موسكو أن الشرطة العسكريّة الروسيّة تُسيّر دوريّات على طول خطّ التماس في منبج، في حين حذّرت أنقرة من أنّها لن تُوافق على بقاء "قسد" في منبج تحت حماية القوّات الروسيّة، معتبرةً أنّه "من غير المقبول أن يُرفع العلم الروسي مكان العلم الأميركي، وأن تبقى "وحدات حماية الشعب" في المدينة". وفي السياق، أعلنت الرئاسة التركيّة أن أردوغان سيزور روسيا في الثاني والعشرين من الشهر الحالي، لبحث الملف السوري مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وذلك بعد اتصال هاتفي بين الرئيسَيْن.

ولا تزال المعارك على أشدّها، خصوصاً في مدينة رأس العين الواقعة على الحدود التركيّة، حيث لا يزال المقاتلون الأكراد يُحاولون التصدّي لهجوم القوّات التركيّة. وشاهد مراسل لوكالة "فرانس برس" قرب رأس العين، أعمدة من الدخان ترتفع من المدينة، إذ يحرق المقاتلون الأكراد الإطارات لحجب الرؤية عن الطائرات التركيّة، فيما يُسمع دوي القصف المدفعي التركي المركّز.

ولا تُخفي القوى الغربيّة خشيتها من أن تؤدّي العمليّة التركيّة إلى تقويض جهود الحرب ضدّ "داعش"، خصوصاً وأن الآلاف من جهاديي التنظيم الإرهابي وأسرهم محتجزون في معسكرات كرديّة. وفي هذا الصدد، حذّر مجلس الأمن الدولي في بيان صدر بالاجماع من خطر فرار السجناء الجهاديين في سوريا، إلّا أنّه لم يدعُ إلى وقف العمليّة التركيّة، فيما نقل نائبان بلجيكيّان عن مدير وكالة "أوكام" الخاصة بمكافحة الإرهاب، أن جهاديَيْن بلجيكيَيْن كانا مسجونين في شمال شرقي سوريا تمكّنا من الفرار من مركز اعتقالهما.

كما أعرب جميع أعضاء مجلس الأمن الـ15، بمن فيهم روسيا، عن "قلقهم البالغ من تدهور الوضع الإنساني" في شمال شرقي سوريا. وتمّ تبنّي نصّ البيان القصير، الذي اقترحته فرنسا بعد اجتماع وجيز عُقد بناءً على طلب الدول الأوروبّية الأعضاء في المجلس. وفي تصريح للصحافيين، أكّدت السفيرة الأميركيّة في الأمم المتّحدة كيلي كرافت على المطلب الأميركي بوقف الهجوم التركي، في وقت تبنّى مجلس النوّاب الأميركي مشروعاً يُدين قرار ترامب سحب القوّات الأميركيّة من شمال سوريا. ودعا القرار أردوغان إلى "وقف العمل العسكري الأحادي فوراً". ووافق أعضاء المجلس من الحزبَيْن، الجمهوري والديموقراطي، على القرار بـ354 صوتاً مقابل 60 صوتاً.

في غضون ذلك، أعلن قائد "قسد" مظلوم عبدي تجميد كافة العمليّات ضدّ "داعش"، مشيراً إلى أن الأمر سيقتصر على "العمل الدفاعي"، لصدّ هجمات التنظيم الجهادي. وتسبّب الهجوم الذي تشنّه تركيا في انقسامات جديدة داخل "حلف شمال الأطلسي"، إذ تزيد الأزمة من الضغوط على الحلف، الذي يستعدّ لعقد قمّة حاسمة في كانون الأوّل. وعبّر الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ، المتحفّظ بطبعه، مراراً، عن "قلقه البالغ" في شأن العمليّة العسكريّة والخطر الذي يُمكن أن تُشكّله على القتال ضدّ "داعش".