يخلط البعض، ولا سيما المثقفون، بين الموقع والموقف، في أحوال السياسات والسياسيين.
فتراهم يعولون، ويستندون، إلى ما يقوله السياسي أو الطامح لأداء دور فيها، من دون النظر إلى موقعه، أي ما ينطلق منه في بيته، بينه وبين أبيه أو جده أو قريبه.
ولو تتبعَ المراقب- في حال أعداد من المرشحين عشية الانتخابات اللبنانية- يتحقق من ان اعداداً من مرشحي "التغيير" او "الثورة" ينطلقون في بعضهم من مواقع زعامية سابقة عليهم.
يكفي أن نتابع سِيَر بعضهم لكي نتأكد من أنهم ورثوا الموقع، ويسعون إلى تجديده ولكن بخطاب مختلف.
تجد بعضهم يتوصلون إلى نكران ما قام به والدهم، او ينقلبون على تحالفاته، أو ينتقلون بخفة مذهلة من ضفة النظام إلى ضفة الثورة.
وهو ما يتمّ بالتفاهم بين الابن والاب، أو بالخلاف بينهما، من دون أن ينقطع- واقعاً- حبل السرة المتين بين البنية التقليدية لإنتاج السياسة وبين التطلع إلى تبديلها.
هذا ما يشمل بعض الأحزاب بدورها، فتنتقل الزعامة أو المقعد النيابي ضمن البيت الواحد. هذا ما يجعل هذه الأحزاب- مهما علا ضجيج خطابها "التغييري"- آلة تقليدية في الإنتاج السياسي.
هذا يشير إلى نمط تقليدي متقادم، يقوم على حفظ المراتب وتثبيتها، بين الأمير والشيخ وصولاً إلى الزعيم وسائر الألقاب التي لا تغطيها التسميات الحديثة: رئيس الحزب، الأمين العام وغيرها.
لهذا يتم التنافس في السياسة، في الدولة، في الوصول إليها، في التمكن منها، في الاجهزة السياسية (بين زعيم وشخصية وتيار وحزب) فيما السياسة تبقى ضعيفة وهشة في المجتمع. وهو ما يعود إلى نشأة الدولة والمتمكنين منها، فيما بقي المجتمع دون الدولة وأضعف منها بالطبع، وغير قادر على إنتاج السياسة والسياسات والسياسيين.
هذا ما يفسر "احتباس" السياسي، وعدم قدرة المجتمعات وقواها وفئاتها من إنجاز "ثوراتها".
هكذا يتوالد السياسيون في بيوت الزعامات والوراثات، البيتية أو العائلية أو الحزبية، فيما يتنقل الخطاب والمواقف بين السياسات والإيديولوجيات بخفة فاقعة، فلا يُعتد بها بالتالي.
بل تبدو هذه المواقف والخيارات والخطب وتغيير البوصلات أشبه بتمرينات كلامية، لأدوار مستجدة.
ففي كل واحد منهم يقبع ديكتاتور صغير، أو اقطاعي أكيد.
ولهذا هم شركاء ومتشابهون في إنتاج السياسة والسياسيين، فيما يختلفون خطاباً وتوجهاً...
مع ذلك، هناك ما يتغير، لكنه يبدو خفيفاً ومحدوداً في البنية العميقة لهذه المجتمعات التي لم تُحسن بعد توليد السياسة في رحمها.