منير يونس

لا حلَّ جذرياً للأزمة من دون محاسبة المسؤولين عنها... وإلا سنترك أفخاخاً تنفجر في أزمات أخرى أخطر مستقبلاً

17 دقيقة للقراءة
روي بدارو، مارغريتا شامي، بشارة شربل، الياس ألوف، هنري شاوول ومنير يونس
يستمر نقاش ما قامت به الحكومة من اجتهاد لاعداد ورقة خاصة باعادة ترميم القطاع المالي تضمنت كيفية رد الودائع وتوزيع الخسائر. الورقة سقطت سقوطاً ذريعاً، لكن النقاش حولها مستمر لمعرفة كيف يفكر الفريق الذي اعدها وتلقى بسببها صفعة من صندوق النقد الدولي. عقدت «نداء الوطن» لذلك ندوة جمعت خبراء اقتصاد ومال ومصارف ومحاسبة هم: روي بدارو، هنري شاوول، الياس ألوف ومارغريتا شامي. اختلفت الآراء في جانب واتفقت في آخر. وفي ما يلي ابرز ما جاء في الندوة:





لماذا سقطت ورقة حكومة ميقاتي الخاصة بما سمي اعادة ترميم القطاع المالي وتوزيع الخسائر ورد الودائع؟

• شاوول: هناك عدة أسباب لسقوط هذه الورقة وأبرزها الليلرة. علماً بأن أي خطة ممكنة ستتضمن ليلرة ما، التي هي أداة من الأدوات. لكن المشكلة في الورقة الحكومية ان الليلرة كبيرة جدا وتمتد على وقت طويل (15 سنة). هي عبارة عن حنفية مفتوحة لن نستطيع معها السيطرة على سعر الصرف والتضخم. نحن نتحدث عن نحو 700 ترليون ليرة، أي مضاعفة الكتلة النقدية سنوياً.

في العام 2020 وضعت خطة مالية اقتصادية تناولت القطاع المصرفي والاصلاحات. أتت هذه الحكومة بعد سنتين، وجلست 6 أشهر، ولم تنجز الا فصلاً واحداً من خطة 2020. وضعت مقاربة للقطاع المالي فقط ولم تتناول لا التدفقات ولا الحوكمة ولا النمو ولا الخطة الاقتصادية الشاملة. لنفترض اننا سنبدأ بها. أسال: كيف ادخالها بالخطة الاقتصادية ؟ لا جواب ! ما التأثير على سعر الصرف وكيفية ادارته خصوصا مع ليلرة 15 سنة بسعر 20 الف ليرة للدولار؟ لا جواب!

بشأن رسملة المصارف، تركوا الخيارات مفتوحة مثل اعادة منح اصحاب المصارف الاغلبية في قطاع دمروه، او لنقل ان لديهم مسؤولية ما في هذا الخراب المالي.

اعتقد ان شركة لازار ضد الليلرة، وقد يكونون مع الهيركات أكثر. دعنا نعترف ان هناك انكارا كبيرا في البلد بشأن الخسائر، وكل طرف يعتقد أنه «سيظمط منها» بطريقة ما.

كيف يرى المصرفيون ما اقترحته الورقة الحكومية؟

• ألوف: لا يمكن وضع خطة للقطاع المصرفي فقط من دون خطة اجمالية للاقتصاد وتطوره في 5 او 10 سنوات. الأمران مترابطان بالاضافة الى خطة لكيفية الحفاظ على سعر الصرف.

انا من القائلين بانه يجب رد الودائع بالدولار ولو بعد 20 سنة. لذا لا اوافق على الهيركات واذا كان لا بد من ليلرة فيجب ان تكون في نطاق محدود.

اذا قامت الدولة ووقفت على أرجلها بحوكمة جديدة ورشيدة، وعملت على خلق نمو سنوي 5% على الأقل، وميزان مدفوعات بفائض بين 5 و10% من الناتج.. بهذه الطريقة يمكن القول لمودع الـ 100 الف دولار انه يمكن رد أمواله على 5 سنوات، ولمودع المليوني دولار على 10 سنوات بالدولار وليس بالليرة. صحيح ان هناك عامل التضخم، لكن في ذهن المودع انه استعاد أمواله ولو بعد حين، وهذا ما حصل أيام أزمة بنك انترا. لفكرة اعادة تكوين الودائع معنى اذا توفر القرار السياسي مع الحوكمة اللازمة في القطاع العام والقطاع المصرفي وبقية القطاعات. اما اذا بقيت نفس الذهنية السائدة اليوم فلن نصل الى اي مكان..

المشكلة الأخرى هي التمييز بين المودعين، مثل المودع الذي حول ليراته الى دولارات بعد 17 تشرين 2019. نقول لمودع ان دولارك بـ 5 آلاف ولمودع آخر نقول له بـ 12 الفاً او 20 الف ليرة. اما المودع الذي استفاد من الفوائد الباهظة فيقولون له سنسلب من مالك لانك تركته في لبنان. بالنسبة للفوائد، حتى لو اجرينا هيركات عليها قد لا نستطيع الحصول على تنزيلات كبيرة كما يعتقدون.

المصارف تقول دائما نريد اعادة الاموال الى الناس، لذا تأتي الدولة بين الجهات التي عليها تحمل مسؤولياتها. ومن هنا نسأل عن غياب صندوق اصول الدولة في المخططات المطروحة. وعندما نتحدث عن الاصول العامة يمكن بحث كيفية ادارتها بشكل افضل مع بقاء ملكيتها للدولة، ومن الايرادات نقتطع سنويا جزءاً يعود للمودعين.

هل هناك أخطاء حسابية وانحرافات في المقاربات؟

• شامي: الارقام الواردة في الخطة تتضمن الكثير من الاخطاء وهناك بعض التجاوزات قياسا بالمعايير المحاسبية الدولية. مثل تحقيق المكاسب من التغييرات في إعادة تقييم الذهب. الاستعمال ممكن اذا بعنا الذهب لنحقق المكاسب من ارتفاع القيمة. إن البنوك المركزية أصبحت وبشكل متزايد تعتبر أن توزيع أو استعمال المكاسب غير المحققة ممارسة ليست جيدة وتؤثر سلبا على الميزانية لعدة أسباب. الخطة حققت المكاسب غير المحققة فعلا لتستعملها في اطفاء الخسائر على الورق.

الى ذلك، فان الهيركات على السندات يجب أن يترافق مع خطة تحليل استدامة الديون لمعرفة أي نسبة اقتطاع، ونمو، وسعر صرف يؤمن الاستدامة والتعافي.

اما توزيع الاعباء فاعتقد انه يجب وضعه بحسب المسؤوليات والتسلسل الهرمي لتوزيع الخسائر. كما انه يجب معالجة القطاع المصرفي كل بنك على حدة. ليست كل البنوك منكشفة على الدين العام ومصرف لبنان بنفس الطريقة. نسبة الديون المتعثرة ليست نفسها وامكانية اعادة الرسملة تختلف من بنك لآخر.

بالنسبة للذهب تلحظ الخطة إمكانية إستعمال إحتياطي الذهب لدى مصرف لبنان لحماية سعر الصرف. لا يمكن استعمال الذهب لتغطية «التضخم الناتج عن خطة إصلاح» أو لتغطية خسائر. استعمال الذهب يجب أن يترافق مع خطة إصلاح واستراتيجية كاملة للنهوض بالاقتصاد ومعالجة التحديات واستثماره بحكمة وحوكمة رشيدة وشفافة. الذهب يحتسب كأصول احتياطية للدولة ويؤثر على برنامج الانقاذ مع المؤسسات الدولية كما يؤثر على قدرة لبنان في الولوج الى الاسواق المالية العالمية.

بالنسبة لانشاء الصندوق على مدة 15 سنة بقيمة 36 مليار دولار، وفيه ما تبقى من بعض الودائع بعد الهيركات، كمطلوبات وتمول بأصول كالتالي:

- 5 مليارات دولار سندات خزينة مع فائدة 5%

- 20 ملياراً مع فائدة 5% (ودائع مع مصرف لبنان بالليرة)

- 10 مليارات مع فائدة 2% (ودائع مصرف لبنان بالدولار)

كيف سيمول مصرف لبنان الصندوق ويسدد الودائع والفوائد خصوصا بالدولار من دون خطة نهوض تترافق مع هذا الطرح، يجب استدراك كافة المخاطر وتداعياتها من ضمن خطة كاملة جدية وشفافة توضح وتأخذ بعين الاعتبار هيكلية المالية العامة، استرجاع عافية ميزانيات البنوك ومصرف لبنان. وتأثير أي اجراء على غير المودعين والاقتصاد.

ماذا عن جدية ومصداقية من يضع الحلول ويقترح المخارج؟

• بدارو: مقاربتي للأمور بمجملها هي من ناحية الحوكمة. من وضع هذه الخطة لا خلفية صالحة له لوضع الحل المناسب المتوافق مع التوازنات المطلوبة ضمن المجتمع. التوازنات مفقودة لأننا أمام فريق يمثل مجموعة مصالح معينة متجاهلا كل الآخرين ومعرضاً عن مصالحهم.

في مكان ما من الورقة وضعوا انه يجب النظر في الاطار الماكرو اقتصادي والاعتبارات الاخرى، وهذا ما كان يجب البدء به، لا وضعه لاحقاً كما لو انهم لصقوه لصقاً.

يعملون بفلسفة لا يملكون ادوات نجاحها وهم يعلمون ذلك. اما التداعيات فهي خطيرة جدا على المجتمع. وفي مقاربتهم لمعالجة خسائر القطاع المالي، كأنهم يريدون تسوية مشكلة من الماضي من دون رسم أي خطة للمستقبل تأخذ في الاعتبار أكثر من 10 فئات وقطاعات. تغاضوا عن كل ذلك وهذا ما يثير الشك في ما يخططون له.

ماذا عن مسؤولية الدولة عن الخسائر؟

• بدارو: الدولة مسؤولة نعم. والمحاسبة المطلوبة تشمل كل من توالى على منصب من المناصب المعنية بأخذ القرارات المالية مثل: رؤساء الحكومات ووزراء المالية ورؤساء واعضاء لجنة المال والموازنة.. ونطلب منهم مساهمات طوعية. لا يمكن اقناع الناس ان من استفاد من النظام هو نفسه من يعمل الآن على اصلاحه.

ماذا عن الاطار الاقتصادي العام لأي خطة مالية مقترحة؟

• شاوول: تضمنت خطة 2020 في أولى صفحاتها ومدخلها العام اطار ماكرو اقتصاديا واضحا. هذا الاطار يحدد اين نتجه وكيف نتجه. الغريب ان في الفريق الحكومي المكلف وضع الخطة اشخاصاً عملوا في صندوق النقد، ومع ذلك غابت عنهم منهجية الصندوق. من جلس على الطاولة لوضع الخطة هم: ميقاتي الذي هو جزء من المنظومة، سلامة كذلك مع اضافة انه ملاحق قضائيا، سلامة جونيور اي الوزير يوسف خليل، ونقولا نحاس.. هل تعتقد ان هؤلاء يريدون خطة عادلة وفعالة يكتب لها النجاح والقبول بها من الجميع ؟؟

بالنسبة لما قاله إلياس، علينا الاتفاق حول نقطة جوهرية: هل تريد تنظيف ميزانيات المصارف، نعم أم لا؟ اذا فرض التنظيف نفسه فلا استطيع أن استمر بوعد رد ودائع بعد 20 سنة و30 سنة، اي الابقاء على المطلوبات كما هي.

في اليابان مثلا لم يجر تنظيف الميزانيات، وبالتالي دخلوا في دوامة خسروا فيها 10 سنوات من دون حل جذري. وهناك الطريقة الاميركية القائمة على القص والتنظيف والتقدم الى الامام. انا، ومنذ المساهمة في وضع خطة 2020، أقرب للطريقة الأميركية. ولا يعتقدن أحد ان مودعا أو مستثمرا سيضع دولارا في نظام غير منظف بالكامل ويستمر «زومبي» كما هو. ولكن يؤسفني القول إن أسلوب التنظيف يمر حكما عبر الهيركات.

علينا ان نبدأ بالتخلص من المواقف التي اتخذناها وتشبثنا بها واصبحنا أسراها منذ بداية الأزمة الى اليوم. وهذا الكلام موجه للدولة ومسؤوليها واصحاب المصارف والمودعين. سنستمر بنفس الدوامة مشتتين بلا اي اتفاق ولا خطة. والخاسر الأكبر هو المواطن والمودع والاقتصاد عموما وسنكون امام تصفية مجتمع.

ماذا عن مسؤولية المصارف؟

• بدارو: المصارف مجبرة على رد الودائع لاصحابها كاملة. هناك الطريقة الاميركية التي تحدث عنها هنري. وهناك طريقة لجنة المال والموازنة التي امعنت في الانكار. انا اعتقد انه امامنا 3 او 6 سنوات للخروج من هذا المأزق. لا أوافق على وهم الحل غدا كما ارفض مد الأجل حتى 15 سنة. صحيح أن المصارف اخطأت وغامرت وأضرت بالمودعين، لكني لا أريد اختفاءها او تدميرها. نحتاج لبعض المصارف للمرحلة الانتقالية. على الكل التحمل، وخصوصا المصارف، علما بأن هناك ذعرا عند المصرفيين من أن الهجوم عليهم لـ»تشليحهم» كل شيء. هناك ثمن عليهم دفعه. بين المقترحات، ان الضريبة الاساسية ليست فقط على اموال اللبنانيين في لبنان، انما على اموال كل اللبنانيين في الخارج بنسبة 5% مثلاً كمساهمة استثنائية لخلاص لبنان. ولتلك التضحية شرط الحل الشامل من دون بقاء هذه المنظومة الحاكمة كما هي. كلنا مستعدون للتضحية بشرط الاقلاع من جديد بآليات حكم وادارة أنظف وأفعل. في هذه الخطط المطروحة امامنا لا شيء نظيفاً ابدا.

في هذه الاثناء، عمليات تصحيح حصلت وأخرى تحصل الآن، مثل تحويل جزء من الرواتب الى الدولار. من سيبقى خارج المعادلة هم كبار السن والشباب المضطر للهجرة. لذا انا اركز على الخطر الأكبر وهو «التصحير الديمغرافي»، وهو بالنسبة للبنان اخطر كثيرا من فقدان المال او بعض المال. هذا التصحير سيخفض ناتجنا بالرغم من الانتاجية المحققة في مكان ما. قلت يوما لأحد وزراء المالية السابقين: انكم تبنون اقتصادا تهجيريا. اصابه كلامي في نقطة ضعف يعرفها.

نحن الان بمرحلة أسوأ واخطر من السابق. الفقر طال الجميع من دون تمييز بين مناطق وطوائف. سبق ونبهت مسؤولين في احزاب منذ سنوات، انه لا يمكن الاستمرار في الحشو الوظيفي الهستيري. قلت لهم: عندما تأتي الازمة سيتضرر الموظفون اكثر من غيرهم. لم يستوعبوا ما عنيته، وها هم اليوم امام هذا الواقع. مع هذا الفقر وهذا الكم من اللاجئين الفلسطينيين والسوريين ومع هجرة الشباب اللبناني، فان وجه لبنان يتغير جذرياً، وهذا بفعل التكافل والتضامن بين العقلين الفاسد والمليشيوي.

• شاوول: هذه المنظومة عقيمة، اذ بعد 10 جلسات مع صندوق النقد لم يردوا على سؤال واحد بجواب شاف ونهائي.

قال لهم الصندوق: هذا ما نريده منكم: خطط لاستدامة الدين، واعادة هيكلة المالية العامة، وشبكة حماية اجتماعية، واعادة هيكلة القطاع المصرفي وتوزيع الخسائر، واجراء اصلاحات في القطاع العام، وعليكم بخطة للكهرباء اولا واخيرا بالاضافة الى خطط للنمو والنظام النقدي. كما انهم ركزوا على الحوكمة في كل القطاعات.. غير ذلك لا حل جذريا. المعركة ليست معركة حلول بل معركة حوكمة وارادة اصلاح حقيقية.

• بدارو: دعنا نقول ان الحل ليس داخليا 100%. لا ننسى العامل الخارجي.

ماذا نعني بالحوكمة؟

• ألوف: عبثا محاولة وضع ماء في السلة. لا يمكن ادارة اي مؤسسة مهما صغرت او كبرت من دون حوكمة.

• شاوول: للمثال، امامنا خيار بيع جزء من الذهب واستثمار المبلغ في الانعاش الاقتصادي. هل نقدم على ذلك مع هذه المنظومة والطريقة التي تعمل بها من دون ادنى حوكمة سليمة؟ هذا ما شدد عليه صندوق النقد. اذا اردنا اصلاحا ماليا وتقررت ضريبة ما، كيف تطبقها وتجبيها مع وجود السرية المصرفية.

مصرف لبنان ينفق نحو 400 مليون دولار شهريا. ما نقوله اليوم لا صحة له غدا. وعندما وضعنا خطة في 2020 كان ممكنا الحفاظ على حقوق 97% من المودعين. اما اليوم فلا مجال لذلك.

ماذا عن أدوات الحل؟

• شاوول: عدة ادوات يجب استعمالها كلها في اطار دقيق: هناك الهيركات الذي يجب ان اضعه كخيار أخير، عندما تصل للمودع وتقول له هذا ما عليك، الا يجب ان يكون هذا المودع قد رأى ان كل الاخرين دفعو ما عليهم ؟؟ لنبدأ بالدولة التي عليها الكثير.

• بدارو: فلنتوقف قليلا ونعرف ما المقصود بالدولة. هل نقفز الى استخدام الاصول العامة قبل مساءلة المسؤولين عن الازمة ان لم نقل محاسبتهم؟؟

• شاوول: دعنا اذا نتفق على انه يجب البدء بالتدقيق لنعلم اين ذهبت الاموال. هناك جزء ذهب في تثبيت الصرف، لكن هناك جزء آخر لا يقل اهمية عن الاول لا نعرف كيف صرف، ولا من استفاد منه؟؟

بالعودة الى الحلول، يجب اقتطاع فوائد باهظة دفعت على ودائع كبيرة. وبالانتقال الى المرافق العامة فالمطلوب ادارة تشبه ادارة القطاع الخاص والعمل على هيكلة تلك الاصول لتعود الى تحقيق ايرادات افضل. وهناك افكار شراكات بين القطاعين العام والخاص للكهرباء والماء. بعد كل ذلك نأتي على ما تبقى من حلول مثل الليلرة والهيركات. علما بان الليلرة هي هيركات مقنعة بكل بساطة.

بالنسبة للقطاع المصرفي نجري درس كل حالة لوحدها. ثم نعمل على تخفيض عدد البنوك لتتناسب مع حجم الناتج. لم نعد بحاجة الى 60 مصرفا. انا واقعي، وتعلمنا خلال السنتين الماضيتين ان المصارف عندما شعرت بالهجمة عليها تشبثت أكثر بوجودها باي ثمن وعملت على منع تقدم الحلول. لذا انا اليوم مع تسوية مع المصارف على ان تنخفض ملكيات المساهمين الحاليين الى مستوى معين، وارفض ان يستحوذوا على القرار.

• بدارو: يجب التنبه ايضا الى عدم تجاوز نسبة معينة في عملية «البايل ان»، مثل 3 او 4% لكل مودع كبير، عندئذ تتفتت الملكيات ويستطيع المالك الاساسي ادارة البنك بنسبة 10% فقط. انا اليوم مع تسوية مع المصارف على ان تنخفض ملكيات المساهمين الحاليين الى مستوى معين، وارفض ان يستحوذوا على القرار رغم امكان ملكيتهم حوالى 35%.

لكن المصارف غامرت وعليها المسؤولية الأولى أليس كذلك؟

• ألوف: نعود الى الحوكمة. ندرس كيفية تحييد الملكية عن الادارة في المصارف. ليس بالضرورة ان يبقى صاحب البنك هو المدير التنفيذي. وهنا لا بد من التذكير بان ليست كل المصارف مسؤولة بنفس الدرجة. ثم علينا ان نتذكر كيف كانت المصارف تعمل. تخيل انك وظفت افضل مدير بنك في العالم، واخذ قرارا بعدم اقراض الدولة بدولار واحد. اين سيضع او يوظف الاموال؟ لديه خياران، في الداخل يقرض القطاع الخاص او في الخارج. يتناسى كثيرون القيود التي وضعت على توظيفات المصارف. ممنوع على المصرف وضع أكثر من 25% من رأسماله في اي بنك في العالم حتى لو كان الاكبر والافضل على الاطلاق. اذا قرر مصرف ما فتح حسابات في بنوك مراسلة عديدة لا يستطيع التوسع في ذلك بالنظر الى ضآلة اعماله او عدم كفاية حجمها. ولنفترض انه استطاع التعامل مع 7 مصارف، تبقى التوظيفات عند حد معين. بكلام آخر لا يستطيع المصرف وضع اكثر 175% من رأسماله في الخارج. وغالبا لا يستطيع البنك وضع اكثر من 20% من ودائعه في الخارج. الباقي 80% منها 15% احتياطات الزامية. كان يمكن نظرياً اقراض القطاع الخاص فقط من دون اي انكشاف على الديون السيادية. لكن عندما وقعت الازمة رأينا كيف ان المقترضين ردوا المستحقات باللولار.

بالعودة الى السيولة في الخارج، فقد استنزفت بخروج الاموال منذ 2017 و2018. الى ذلك، نأتي على ذكر مصارف كانت تمنح فوائد طبيعية على الودائع، فاذا بتلك الودائع تخرج الى مصارف اخرى بفوائد اعلى. كان هناك سباق على المودعين. اذا سمح المصرف بخروج هذه الودائع يفقد سيولته ويخسر حصته والا سيدخل في لعبة العوائد العالية.

في 1990 و2000 كانت فوائد الانتربنك في الخارج 6% وفي لبنان 5%. بين 2020 و2022 الفائدة التي سادت في الخارج 0.3% وفي لبنان 5%. كانت المصارف امام حل من اثنين: اما تفلس او تدخل بلعبة الفوائد. العتب على جمعية المصارف لانها كانت تتفق مبدئيا على فائدة 5% ثم يخرجون الى السوق والمنافسة ترتفع الى 7%.

• شاوول: اذا كان الحال كذلك لماذا لهثت المصارف وراء الودائع. واذا كان لا بد من عوائد فلتكن في مصارف استثمارية وبمنتجات غير الودائع، وليتحمل المودع او المستثمر مخاطر ما يقدم عليه

• ألوف: مصارفنا تجارية وليست استثمارية. المسألة ليست بالبساطة التي يطرحها هنري.

• بدارو: كانت المصارف تدعي ان ودائعها قصيرة الاجل وليس باستطاعتها اقراض القطاع الخاص للمدى الطويل. لدينا مشكل اساسي بالفلسفة المصرفية منذ ما بعد ميشال شيحا الى اليوم.

على اي حال، بدأ اليوم التباين في وجهات النظر داخل جمعية المصارف، وبينها وبين مصرف لبنان. هناك معركة كبيرة مقبلة. انها عملية تنقية مصرفية. سيسعى الكبار على اخراج الصغار ومتوسطي الحجم من السوق

ماذا على اللبناني الآن؟ التشاؤم أم التفاؤل؟

• بدارو: لست متفائلا ولا متشائما، انا اطالب الجميع بالجلوس حول طاولة مستديرة لايجاد الحل الممكن.المدخل ليس توزيع الخسائر، المدخل هو سعر الصرف وكيف نحدده لنبدأ منه. الحوكمة الجديدة الرشيدة هي من تدافع عن سعر الصرف ليس مصرف لبنان كما ان الحوكمة تحمي المجتمع. بعد تحديد سعر الصرف المتوازن حوالى 8 الاف ليرة للدولار وهو رقم ناتج عن محاكاة علمية اجريناها سابقا ربطا بكتلة الاجور الحالية، بعد ذلك نوزع الخسائر. لا ننسى ان اكثر المعنيين في المجتمع هم من غير المودعين. المشروع المجتمعي الجديد يحتاج الى قواعد سياسية مطمئنة.

لا خطط تنجح لاننا في بلد شبه مختطف او معطل. لا يستطيع احد من هذه المنظومة ان يضع «زيحا» في اي مكان لأي ملف.. حالة شلل.

• شامي: نعود للتذكير بضرورة الحوكمة ووضع خطة ماكرواقتصادية شاملة تركز على نمو قوي ومستدام، والاستثمار في البنى التحتية. وهناك الاصلاح الضريبي باعتماد ضرائب تصاعدية للتوازن والمساواة. وهذا ليس فكرا اشتراكيا بل انه معتمد في الانظمة الرأسمالية والليبرالية للتوزيع العادل للثروة. يمكننا الاستفادة من تجارب الدول الاخرى التي مرت بتجارب مماثلة والادوات التي اعتمدت في كل بلد واضحة تبقى العبرة في جدية التنفيذ لمصلحة الجميع بطريقة عادلة وشفافة.

السياسيون أقرب للمصارف أم يدافعون فعلاً عن حقوق المودعين؟

• ألوف: السياسيون ليسوا اقرب للمصارف من غير المصارف. السياسي أناني لا يرى الا مصلحته. «يمشي» بأي حل، المهم ألا ترتد عليه تداعيات الحل في الانتخابات مثلا.

• بدارو: الوزنان الراجحان في لبنان هما السلطة والمال وهما مترابطان ببعضهما. رجال السياسة أقرب الى البنوك من غيرهم.

• شاوول: أوافق الرأي. هم أقرب للبنوك وليس المودعين.

• شامي: باستطاعة السياسي اليوم استمالة الناس بشيء زهيد، هذا الوضع هو فرصة مناسبة له. معظم الزيادات (بدلات النقل وغيرها) لا تذكر من حيث القيمة بعد ما فقد معظم الناس قيمة رواتبهم، مدخراتهم، وقدرتهم الشرائية. انهم يهزأون من الناس بهذه الطريقة. انها طريقة للعب على سيكولوجية الناس. يبتزون من جهة لارضاء اخرى والعكس صحيح. الجدية تكمن في البت بالاصلاحات للتعويض.

• شاوول: إيلي الفرزلي قال: نعم نحن حزب المصارف. هل هناك اوضح من هذا الموقف؟!

توزيع الآلام... توزيع الأكلاف

شاوول: ما من أمل بلا اوجاع. اذا اردنا الخروج من المأزق بعد 3 او 4 سنوات علينا أن نجلس الى الطاولة جميعا. وجميعنا سيضحي او «يحط من جيبه».

• بدارو: أنا أوصّف ذلك بتوزيع الآلام وليس فقط توزيع الاكلاف. هذا ضروري لكن بعد المساءلة والمحاسبة. لا يجوز المرور مرور الكرام على ما حصل ونقول للناس عليكم التضحية «وبدنا نحمل بعض».هذا غير عادل ولا يبني مجتمعا سليما لا بل يفخخ المستقبل.