يحتمل الموقف المستجدّ الذي أعلنه «حزب الله» من المفاوضات البحرية مع إسرائيل تأويلاتٍ شتى. منها في الحسابات الداخلية الآنية أنه يرضي جمهوره الذي أمعن فيه خطباً عن عدم التنازل عن شبر مكعب واحد من المياه، والذي استفاق على إعلان رئيس الجمهورية القبول بالخط 23 بدلاً من الخط 29، وموافقة قيادة الحزب التي قالت إنها في موضوع المفاوضات « تقف خلف الدولة»!
ومن التأويلات أن افتعال خلافٍ بين الحزب وحليفه الأول رئيس الجمهورية هو أمر مطلوب وحميد في هذه الفترة الإنتخابية الصعبة. إذ لا يزال هناك من يعتقد أن أعمالاً من نوع تصعيد التوترات في الداخل تخدم الموتورين وتحسّن شروط عيشهم السياسية. وفي موضوع الهجمة على التفاوض سيكون الهدف رئيس الجمهورية وتياره ومن معه، وفي ذلك محاولة لشدّ العصب مجدداً بدلاً من قتله وخوض المعركة من دون أسنان.
تأويلٌ ثالث يخطر في البال لاندفاعة الحزب المستجدة ضد الأميركيين ووسيطهم يذهب إلى ربط الموقف بحدثين مهمّين، الأول قرار مجلس الأمن بإدانة الحوثيين والثاني عدم الوضوح بشأن مفاوضات فيينا النووية، وفي الحالتين يعتبر الحزب نفسه معنياً باعتباره «البطل الذي لا بديل له في مقارعة جبهة الكفر والنفاق والخداع في المنطقة» على ما أبلغ به اللبنانيين وزير الثقافة والإرشاد الايراني محمد مهدي اسماعيلي خلال إقامته في عاصمتهم أمس، شارحاً مرةً أخرى كيف أن «تأسيس حزب الله تم بتوجيه من الإمام الخميني في العام ١٩٨٢» وبعد تبلوره «خرجت أميركا وفرنسا من لبنان مفضوحتين تماماً»! (نسي الوزير ذكر إسرائيل في النص الذي وزّعته وكالة أنباء فارس) وليس هذا مهماً.
كل هذه التأويلات والتفسيرات قد تصحّ وقد لا تصحّ، لكن الثابت أمران، أن الحزب يتمسّك بصلاحيّته في التفاوض، مثلما يفعل في قرار الحرب والسلم والصناعة الحربية وتحرير الشعوب المغلوبة على أمرها، ومثلما يضع التوجيهات بشأن الزراعة والإقتصاد الشرقي وتعيين قضاة التحقيق وقبعهم.. وإلى جانبه يقف المعنيون بإدارة الشؤون اليومية لمجلس بلدية لبنان الكبير ينتظرون حصة في سلطة الإنهيار الشامل!
الرد الأفضل المتاح على كل ذلك هو في الانتخابات، وحسناً فعل الرئيس نبيه بري بتقديمه ترشيحه. فهو بهذا الفعل إنما يعلن في قلب معمعة المواقف والبطولات، أنه لا بد من الانتخاب، وبعده لكلّ حادث حديث.