شربل داغر

السياسة من فوق، من دون الناس

دقيقتان للقراءة

ما يعني: الشعب-الوطن-العربي-الأمة-المؤمن...؟

مفردات "ثقيلة"، لم نُعمل التفكير فيها تماماً، بل ندعها (من دون تفكير ونقد) تُمارس علينا نوعاً من الغصب، من الإكراه الفكري، إن جاز القول.

لو أمعنّا التفكير، لانتبهنا إلى أن الخطاب القومي، ثم الإسلامي، استند إلى خطاب هوية... مرغوب، في أحسن الأحوال. فهو لم يكن يعاين، ويصف، ما نحن عليه من أحوال، غداة خروجنا من الخلافة، من العثمانية، ثم من الاستعمار. بل كان خطاباً غاصباً، بمعنى من المعاني، قاهراً، وتعسفياً.

الأكيد في هذا، هو أن خطاب الهوية الإسلامية كان أشدّ تمكّناً من الناس، من جعل الحجاب علامة لأزمة في الهيئة الاجتماعية، من استعادة ما لا يناسبها في السلوك والموقف والتعبير، ما يعني التنبيه والحضّ والرضوخ. ذلك أنّ هذا الموروث المستعاد، المجدّد، يستند إلى التديّن الشعبي، الذي يقوى على أي إيديولوجية، أو أي رقابة في الجريدة أو في خطبة الجامع.

إلّا أنّ الخطير في هذا الخطاب، هو أنه يقع فوق الدولة، فوق الدستور، فوق القوانين. ويكون بالتالي في عهدة "أمير"، ما يحيل الجماعة إلى كتلة هلامية صاغرة، وما لا يناسب بالضرورة أحوال الناس في المجتمعات الحديثة.

هكذا لا يختلف حالُ السياسة عمّا كانت عليه في عهود سلاطين وخلفاء سابقين، ممّن حكموا من دون قيود في الحكم والتدبير، في أحوال كثيرة.

وهذا يعني كذلك، أن السياسة تتوالد، في الماضي كما في الحالي، في أعلى الدولة، في الأسرة الحاكمة والوارثة للحكم، وبين النخب الطامعة في الحكم، فيما يبقى للناس وجوب "الطاعة" ليس إلّا.

هذا ما بات لا يناسب الأزمنة الحديثة، ولا الدساتير، ولا ديمقراطية المشاركة في الانتخاب والترشّح والاقتراع.

ما يجري، في هذه البلاد، مع الديكتاتور، والولي الفقيه، وأمير الجماعة، وفي دعاوى عديدة، بين قومية وإسلامية، هو أن السياسة لا تحصل في مخاض المجتمع، فتَفرز، وتُنتج، وتُبدّل، وتُجدّد... بل هي سياسة تسقط على المجتمع، وتَتحكّم به، وتُبعد الناس عن إمكان الفعل فيه.

لهذا تكون السياسة، في هذه البلاد، "متجذّرة" ومستمرّة في تعاليها على المجتمع، وفي تحكّمها به. ولهذا تبدو أيّ سياسات، أيّ أحزاب، ضعيفة، هشة، "برانية"، ومتهافتة...

ولهذا تبدو "الثورات" خلافات مذهبية، أو حروباً أهلية، ليس إلّا.