منير يونس

روسيا تحت حصار مالي خانق.. والروبل يهبط 63%

9 دقائق للقراءة
هبوط قياسي سريع في قيمة الروبل مقابل الدولار

ممنذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا، صعد الغربيون فوراً الى الجبهة المالية والاقتصادية شاهرين ومستخدمين أسلحة عقوبات قاسية ومؤلمة ضد الرئيس فلاديمير بوتين والمقربين منه والبنك المركزي والصندوق السيادي، وعدد من المصارف التي أخرجت من نظام «سويفت» للمراسلات المالية الدولية والشركات المنخرطة في المجهود الحربي بشكل مباشر أو غير مباشر. والأخطر أن الهجوم تركز على ما هو عزيز على قلب بوتين والروس: الروبل.

العملة الروسية تفقد ثلثي قيمتها والتضخم يطل برأسه سريعاً

كانت العملة الروسية قبل بدء العمليات الأخيرة خسرت كثيراً منذ ضم شبه جزيرة القرم في 2014. اذ ارتفع الدولار من 33 روبلاً بداية 2014 الى نحو75 في 18 شباط الماضي، ثم الى 122 روبلاً في 5 آذار الجاري. فالخسارة في الأسبوعين الأخيرين فقط تبلغ 63%. وهبوط العملة انتج سريعا نسبة تضخم 9% مع توقع صعوها الى 15% قريبا وأكثر لاحقا. ومع الروبل الضعيف ستجد المؤسسة النقدية الروسية نفسها امام معضلة، لان البلاد تستورد معظم حاجاتها من الخارج سواء كانت استهلاكية او تجهيزات واصبحت الكلفة بالنسبة إليها اعلى بكثير. وبالتالي لن يتأخر التضخم ليتفاقم أكثر وينطلق بسرعة قياسية الى اعلى.

ضربة قاصمة للبنك المركزي بتجميد 60% من أصوله

حاصرت العقوبات العملة من كل الجهات. والأكثر تأثيراً كانت الاجراءات العقابية التي اتخذتها الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد الأوروبي بتجميد أصول وموجودات البنك المركزي خارج روسيا. هي تبلغ 630 مليار دولار منها 43% في فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا. ونقلت «تشالنج» الفرنسية عن وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير «أن احتياطات العملة تذوب مثل الثلج تحت حرارة الشمس. كنز الحرب الذي اعتقد بوتين امكان استخدامه تعطل بشكل كبير». وبسبب نقص العملات بات البنك المركزي غير قادر كفاية عن الدفاع عن الروبل. ويذكر أن مخزون الذهب والموجودات باليوان الصيني والين الياباني غير مشمولة بالعقوبات. لكن بحسب بعض التقديرات فأن 60% من موجودات البنك المركزي اصبحت مجمدة.

ويذكر أن 470 مليار دولار من الثروات السيادية هي بالعملات الاجنبية سواء في ودائع او اسهم. وصحيح ان الموجود منها بالدولار قد انخفض خلال السنوات الماضية وارتفع المسعر بالين الياباني الى 17% وهي نسبة عالية جدا قياسا بما تحمله بنوك مركزية عالمية من ثروات بالعملة اليابانية ولا يتجاوز 2 الى 3%. وتحتفظ روسيا بذهب قيمته 130 مليار دولار. على أي حال، لن تستطيع موسكو بيع اصولها المقومة بالدولار واليورو لتشتري اسهما بالروبل للحفاظ على الثروة ودعم العملة ومنع انهيار المصارف.

تجميد ما قيمته ترليون دولار من الأصول والثروات الروسية

إلى جانب تجميد أصول البنك المركزي، جمدت الدول الغربية أصول وأموال الأوليغارشية الروسية المقربة من بوتين وأصولاً تعود للصندوق السيادي الروسي ليبلغ الإجمالي المجمد نحو ألف مليار دولار (ترليون). وبدأت بعض العقوبات التي طالت الأوليغارشية تزعج كثيراً الاثرياء الروس الذين اعتادو نوعية الحياة الغربية، فمحاصرة هؤلاء قد تدفعهم ليكونوا اكثر انتقادا لبوتين، وربما ينقلبون عليه وفق توقعات غربية مبنية على تذمر متصاعد لهؤلاء من الأوضاع المستجدة.

المستثمرون يخرجون وتصنيف الدين الروسي «خردة»


كل تلك الأجراءات أثرت بقوة في الروبل، وتسببت بهبوطه أكثر. وفقد البنك المركزي الروسي قدرة الحفاظ على استقرار النقد بفعل تجميد أصوله ونقص العملة الأجنبية الصعبة المتاحة للتدخل في الأسواق. وتنقل «تشالنج» عن خبراء «أن النظام المالي الروسي أصبح تحت الحصار تماماً». كما أن انخفاض العملة بدا ممكنا أكثر مع خفض تصنيف الدين الروسي الى درجة «خردة» في الاسواق الدولية، وتوقف المستثمرين الأجانب عن شراء سندات الديون الروسية. وتراهن اسواق منتجات المشتقات المالية بنسبة 50% على احتمال اعلان تعثر دفع الدين العام. ويملك الاجانب في روسيا بين ديون وأسهم ما يساوي 20% من الناتج الروسي. وخروج هؤلاء تباعا سيضغط على العملة والاقتصاد اكثر... وبات المستثمرون الاجانب شبه مقتنعين بقرب اليوم الذي تعلن فيه روسيا التوقف عن الدفع لهم سواء كان استثمارهم بالسندات السيادية او ديون الشركات الخاصة. وتقدر المبالغ الواجب دفعها للاجانب حتى نهاية العام بنحو 37 مليار دولار. وبحسب وكالة فيتش للتصنيف الائتماني فان 10 صناديق استثمارية اوروبية على الاقل مخصصة للاستثمار في روسيا جمدت السلطات في موسكو سحوباتها.

واعلن البنك المركزي الروسي الثلاثاء الماضي ان الاجانب حاملي سندات دين بالروبل سيتوقف الدفع لهم الى أجل غير مسمى. الاجراء لا يشمل حتى الان حملة السندات بالعملات الاجنبية والذي اذا توقف سيعني حتماً تعثرا رسميا دوليا. وسيواجه «المركزي» مشاكل اخرى ابرزها متعلق بخروج المستثمرين الاجانب في عدد من القطاعات لا سيما الطاقة والصناعة ما يجبره على تلبية البنوك التجارية بالدولار واليورو المتناقص لديه. لذا سارعت روسيا الى اعلان ضبط السحوبات والتحويلات (كابيتال كونترول ). واعلن البنك المركزي الروسي فرض ضريبة بنسبة 30% على كل شراء للعملة الاجنبية.

سحب 20% من الودائع في اسبوع والناتج يفقد 5%

وسببت مهاجمة الروبل هروباً كثيفاً لاستثمارات ورساميل. ولوحظت في ارجاء روسيا منذ بداية الحرب صفوف طويلة أمام البنوك وماكينات السحب الآلي للراغبين بسحب مدخراتهم، ما يدفع بمحللين الى توقع أزمة مصرفية واسعة النطاق اذا تفاقمت ظروف الحرب وطال أمدها. وتقدر السحوبات من الودائع في أسبوع بنحو 20% من الاجمالي.

ويعتقد مسؤولون غربيون أن أفضل طريقة ليخسر بوتين من شعبيته هي جعل التضخم يتفاقم وترتفع الفاتورة التي سيدفعها الكرملين. فالاجراءات العقابية يمكن ان تخفض الناتج الروسي 5% فوراً. واكثر من ذلك اذا ما قيست لاحقا تأثيرات منع بنوك روسية من نظام «سويفت» وتجميد أصول البنك المركزي.

السبل تتقطع بالشركات والأسهم تهوي الى ادنى المستويات

بالنسبة للشركات الروسية فقد وجدت نفسها مقطوعة عن العملات الأجنبية، وبالتالي تتعثر معظم تداولاتها مع العالم بالدولار واليورو والجنيه الاسترليني. ومن عليه من تلك الشركات ديون بالعملات الاجنبية يستحق سدادها وجد نفسه في حالة تعثر. ولا ائتمان جديداً لأي استثمار بفعل شح العملات والعقوبات، وإلا فان الدفع كاش (نقداً).

النتيجة ان الهلع عام في الاسواق. والمستثمرون يتخلصون من أسهم شركات روسية مدرجة في البورصات الغربية والآسيوية ما يعني أنها في حالة إفلاس غير معلن. واذا كانت بورصة موسكو اقفلت التداول منذ الأول من الشهر، فان نحو عشرين شركة روسية مدرجة في لندن تحولت اسهمها الى خردة في أيام قليلة. والأكثر تضرراً هي الشركات النفطية والغازية الكبيرة مثل «غازبروم» و»لوك أويل» و»نوفاتك» التي فقدت أسهمها 98%، وهبطت أسهم أول بنك روسي (سبربنك) 99.8% وأفلست أفرعه الأوروبية وأقفلت أبوابها. فالعقوبات قطعت مصارف روسية عن الوصول الى اسواق الرساميل الأوروبية والأميركية.

داخلياً، منع البنك المركزي والهيئة الناظمة للاسواق المالية الاجانب من بيع الاسهم الروسية في قرار خطير نادر الحصول. واعلن الصندوق السيادي الروسي رغم ان بورصة موسكو مغلقة حتى اشعار آخر انه خصص 10 مليارات دولار لشراء الاسهم المحلية المتضررة من العقوبات.

قطع حبل «سويفت».. الاستثناءات قليلة أبرزها في الغاز والنفط

الاستثناءات الوحيدة من استخدام سلاح «سويفت» شملت قطاعات المواد الأولية والنفط والغاز التي تشكل غالبية الصادرات الروسية، وكانت بلغت قيمتها 332 مليار دولار في 2020. وبذلك تبقى طاقة هواء أساسية مفتوحة لشركة «غازبروم» والبنك الروسي الثالث من حيث الحجم الذي يخدم التحويلات المالية المتعلقة بتصدير النفط والغاز ومشتقاتهما. الى ذلك، يسرب مسؤولون غربيون أن تجميد اصول البنك المركزي لن يكون بالضروة كاملا، إذ يمكن تخيل ترك ثغرات مقصودة فيه لبقاء رأس النظام المالي الروسي فوق الماء كي لا تتفاقم الأمور نحو اللاعودة مع بوتين مخافة جنونه. في الاثناء ليس من مصلحة الغرب ترك النظام المالي الروسي ينهار كليا. فكثير من البنوك الاجنبية متوسعة في روسيا كما أن الاصول الروسية المملوكة من مستثمرين اجانب شاملة مختلف القطاعات الاستراتيجية وغير الاستراتيجية.

فالبنوك التي تفتح اعتمادات وتمارس التحويلات الخاصة بالتجارة بتلك المواد لم تعاقب بعد، وبقيت متصلة ببرنامج «سويفت» للمراسلات المالية الدولية، في مقابل قطع «سويفت» عن البنوك الأخرى وعددها سبعة تمثل ثلث حجم القطاع وهي معرضة كلها للإفلاس. هذا القطع لا يمنع نهائيا علاقات روسيا المالية مع شركائها التجاريين، بل يجبر المؤسسات المالية على البحث عن وسائل أخرى اكثر تعقيدا وصعوبة وغير دقيقة وبطيئة مثل الفاكس والايميل والتلكس. علماً بانه منذ أزمة شبه جزيرة القرم وتلويح الغرب باخراج روسيا من نظام «سويفت» طورت موسكو نظاماً بديلا للتبادل المالي الداخلي مع طموح ربطه مع الصين التي تطور نظاما بديلا ايضا هي الأخرى.

وتحاول روسيا مواجهة العقوبات، لذلك اعلن البنك المركزي الروسي رفع الفائدة من 10 الى 20%، الا ان ذلك سيخنق الاقتصاد أكثر. وبعد أن بدأ الروس بالتهافت عل سحب اموالهم من البنوك اعلنت السلطات منع تحويلات العملات الى الخارج، واجبرت المصدرين الروس على تحويل 80% من مداخيلهم بالعملات الاجنبية الى روبل. وكثف البنك المركزي الكابيتال كونترول وجمد مدخرات الاجانب المقيمين المستثمرة في الاسهم الروسية ومنع الروس من تحويل العملات الى الخارج.. كل ذلك للحفاظ على الدولار واليورو داخل البلاد.

نحو جعل روسيا منبوذة مالياً واقتصاديا

هكذا تقترب روسيا من وصف الدولة المنبوذة اقتصاديا وماليا، وفق تعبير الرئيس الأميركي جو بايدن. والشركات والبنوك غير الروسية لا سيما الصينية التي يعول عليها تخاف العقوبات الأميركية وهي تفكر أكثر من مرتين قبل الاقدام على اي تعامل مع روسيا.

وتهدف الاستراتيجية الغربية ايضا الى اجراءات عقابية في قطاعات الصناعات الاستراتيجية والحساسة مثل الطيران والتكرير والالكترونيات والليزر واشباه الموصلات وكل منتجات لها استخدامات مزدوجة مدنية وعسكرية. وبالنسبة للغرب لن تعود روسيا شريكا كما في السابق. فرحلة البحث عن بدائل لاستيراد النفط والغاز بدأت. رغم ذلك يعلم بوتين ان الحرب ضارة ايضا بمصالح الدول الغربية المعتمدة على استيراد الغاز والنفط من روسيا كما أن عشرات الدول تعتمد على روسيا لاستيراد عدد من المعادن مثل الالمنيوم والبلاديوم والنيكل والتيتان، فضلاً عن منتجات زراعية مثل القمح والذرة والشعير والأسمدة.. والتي ارتفعت أسعارها بقوة ما قد يخلق موجة تضخم عالمية خطيرة بتداعيات كثيرة.