يبدو أن تخفيف استهلاك الكربوهيدرات يحسّن جزءاً من عوامل الخطر المُسببة لأمراض القلب والأوعية الدموية، لكنّ تكثيف الأبحاث ضروري قبل التأكيد على هذا الرابط...
حين يفكّر الناس بتبنّي حمية قليلة الكربوهيدرات، غالباً ما يتخيلون أطباقاً مليئة باللحوم الحمراء واللحم المقدد والزبدة. بشكل عام، تكون هذه الحمية غنية بالدهون المشبعة، ولطالما اعتُبرِت غير صحية على مستوى القلب. لكن تكشف دراسة نشرتها "المجلة الأميركية للتغذية العيادية" في 28 أيلول 2021 أن تناول كمية من الدهون المشبعة خيار مقبول إذا كان الخليط الغذائي العام صحياً.
إستنتج الباحثون أن الخطة الغذائية قليلة الكربوهيدرات تُخفّض على ما يبدو بعض عوامل الخطر المرتبطة بأمراض القلب والأوعية الدموية، حتى لو اشتق 21% من السعرات الحرارية اليومية من الدهون المشبعة، وهي نسبة تساوي ضعف الكمية الموصى بها يومياً.
لكن لا يعني ذلك التخلي عن جميع أنواع الخبز في وجبات الطعام. تقول تيريزا فانغ، أستاذة مساعِدة في قسم التغذية في كلية "تي إتش تشان" للصحة العامة في جامعة "هارفارد": "من المبكر أن نستنتج أن هذه المقاربة قليلة الكربوهيدرات تفيد القلب فعلاً. يجب أن نتوخى الحذر لأن الباحثين اختاروا في دراستهم خطة غذائية غير نموذجية بالضرورة مع أنها قليلة الكربوهيدرات. لم تشمل هذه الحمية اللحم المقدد وشرائح لحم البقر، بل إنها تألفت من المكسرات والعدس، والسندويشات النباتية، والسلمون، بالإضافة إلى عدد مقبول من الخضروات".
إقتصرت مدة الدراسة أيضاً على عشرين أسبوعاً، ما يعني أن الحمية قليلة الكربوهيدرات قد لا تعطي المنافع نفسها إذا خضعت للدراسة لفترة أطول. كذلك، اكتفى البحث بتحليل قياسات عوامل الخطر المرتبطة بأمراض القلب والأوعية الدموية، بدل مراجعة أحداث واقعية مثل النوبات القلبية أو الجلطات الدماغية.
تفاصيل الدراسة
راقب المشرفون على الدراسة 164 مشارِكاً قبل التوصل إلى استنتاجاتهم النهائية، وكان 70% منهم نساءً خسرن للتو بين 10 و14% من وزنهنّ بعد تبنّي حمية غذائية منظّمة. طُلِب من المشاركين أيضاً تطبيق واحدة من ثلاث خطط غذائية تهدف إلى تسهيل الحفاظ على وزنهم الجديد. شملت كل حمية الكمية نفسها من البروتينات (20% من السعرات اليومية)، مقابل كمية مختلفة من الكربوهيدرات والدهون المشبعة، وكانت تحتوي على العناصر التالية:
• حمية قليلة الكربوهيدرات، فيها 20% من الكربوهيدرات و21% من الدهون المشبعة.
• حمية معتدلة الكربوهيدرات، فيها 40% من الكربوهيدرات و14% من الدهون المشبعة،
• حمية غنية بالكربوهيدرات، فيها 60% من الكربوهيدرات و7% من الدهون المشبعة.
أعطى الباحثون كل مشارك وجبات مُحضّرة ومعدّلة لمساعدته على الالتزام بالخطة الغذائية. ثم تعقبوا أي تغيرات في مختلف القياسات التي تنذر بزيادة المخاطر الصحية على القلب والأوعية الدموية قبل بدء الدراسة وبعد انتهائها. كذلك، صمّم الباحثون مقياساً مركّباً اسمه "مقاومة الأنسولين بالبروتين الدهني" لتقييم المخاطر القلبية والوعائية لدى كل مشارك. يأخذ هذا المقياس بالاعتبار خليطاً من العوامل، منها خصائص الدهون في الدم، ومؤشرات مقاومة الأنسولين (أي طريقة استعمال الجسم للأنسولين لتحويل الغذاء إلى طاقة). استنتج المشرفون على الدراسة أن الحمية قليلة الكربوهيدرات تسمح بتحسين مستـــوى "مقاومــة الأنسولين بالبروتين الدهني" أكثر من الحميات التي تشمل كمية معتدلة أو كبيرة من الكربوهيدرات.
تحليل الخطط الغذائيةحققت الحمية قليلة الكربوهيدرات أفضل النتائج في هذه التجربة، لكن تقول فانغ إن هذا النوع من الحميات قد لا يكون أفضل خيار في حالات كثيرة. شملت هذه الحمية أغذية صحية متعددة، لكنها تبقى كثيرة القيود. برأيها، قد يصعب على الكثيرين تطبيق هذه الحمية لفترة طويلة، إذ يكفي أن نتخيّل شكل الحياة حين نضطر لتناول كمية محدودة من الخبز أو الرز أو البطاطا.
قد تكون الحمية التي تشمل كمية معتدلة من الكربوهيدرات (أي تلك التي يشتق فيها 40% من السعرات من الكربوهيدرات) مقاربة أكثر واقعية لأنها تحتوي على كمية الكربوهيدرات الموجودة في الحمية الغربية النموذجية التي تشمل عموماً 50% من الكربوهيدرات.
سمحت الحمية المعتدلة التي اختارها الباحثون بتنويع الأغذية المستهلكة (مافن إنكليزي، أو شريحة خبز، أو كمية صغيرة من الرز). منعت الحمية قليلة الكربوهيدرات تناول التحلية، بينما شملت الحمية المعتدلة شريحة حلوى أو فطيرة من وقتٍ لآخر. قد تكون هذه المقاربة أكثر واقعية لضمان التزام الناس بها. يُعتبر العامل الصحي بالغ الأهمية في الحمية، لكنه يخسر أهميته إذا لم يلتزم بها الناس.
يسهل أن تتماشى الحمية المتوسطية المعروفة بمنافعها الصحية مع هذه الكمية اليومية المعتدلة من الكربوهيدرات، فهي تشمل لحوماً غير دهنية، وزيت الزيتون، والأسماك، والمكسرات، والفاكهة والخضار.
خــــــــلاصــــــــة
قد يكون تخفيف الكربوهيدرات في الحمية مفيداً إذاً، لا سيما تلك المشتقة من المنتجات المُصنّعة أو المُكررة، لكن يجب أن تختار في الوقت نفسه الحمية التي تناسب أسلوب حياتك وخياراتك المفضلة.
إذا كنت تريد اختيار خطة غذائية معينة، فكّر بالسؤالَين التاليَين:
هل هي حمية صحية؟ فكّر بما تأكله ولا تحصر تركيزك بنسبة الكربوهيدرات في المأكولات المستهلكة. ستكون الحمية قليلة الكربوهيدرات والغنية بالزبدة ومنتجات حيوانية أخرى خطيرة أكثر من الحمية قليلة الكربوهيدرات التي تُركّز على استهلاك الخضروات ودهون صحية مثل المكسرات وزيت الزيتون.
هل هي حمية مستدامة؟ تساءل عن قدرتك على الالتزام بالحمية المنتقاة طوال سنوات. يُفترض أن تتحول الخطة الغذائية الصحية إلى أسلوب حياة بحد ذاته بدل أن تكون مجرّد حل قصير الأمد.
في النهاية، تستنتج فانغ: "ثمة طريقة صحية أو غير صحية لتخفيف استهلاك الكربوهيدرات. بشكل عام، لا يمكن اعتبار حمية واحدة أفضل من غيرها. يجب أن تجد الحمية التي تناسبك إذاً، ما يعني أن تكون صحية وقابلة للاستمرار في آن".