جاد حداد

جمجمة غامضة ومزوّدة بجسم معدني غريب تقسّم العلماء

4 دقائق للقراءة

قد تكون جمجمة طويلة ومخروطية الشكل ومزوّدة بزرع معدني محتمل من أوائل الأدلة المنبثقة من البيرو حول زرع جراحي قديم. أو ربما يكون هذا الاكتشاف مجرّد خدعة معاصرة!

لا يُعتبر الشكل المخروطي لهذه الجمجمة التي تمّ التبرع بها إلى "متحف علم العظام" في مدينة أوكلاهوما غير مألوف، إذ من المعروف أن سكان البيرو في العصور القديمة كانوا يضغطون رؤوس الأولاد بأربطة مشدودة في فترة نموّهم للتوصل إلى هذا الشكل المختلف. لكن يبدو الزرع المعدني في هذه الجمجمة غريباً جداً، وقد يصبح اكتشافاً استثنائياً من عالم الأنديز القديم إذا ثبتت صحته.

بالإضافة إلى هذا الزرع المحتمل، تحمل الجمجمة ثقباً تحت المعدن وهو ينجم على الأرجح عن عملية نقب الجمجمة. يعني النقب إحداث ثقب في جمجمة الفرد لمحاولة معالجة جرح بالغ أو حالة صحية معينة، وكانت هذه الممارسة شائعة في العالم القديم.

نشر "متحف علم العظام" صوراً عدة لهذه الجمجمة في صفحته على فيسبوك، وأعلن أن الخبراء العاملين فيه يعجزون عن التأكد من حقيقة الزرع المعدني في الوقت الراهن. صرّح ممثل عن المتحف لموقع "لايف ساينس" بأن أحداً لم يستعمل بعد تقنية التأريخ بالكربون ولم يحلل علماء الآثار هذه القطعة عن قرب حتى الآن.

زرع أصلي؟

أجرى موقع "لايف ساينس" مقابلات مع علماء لا يعملون في المتحف لمعرفة آرائهم حول حقيقة الزرع، فكانت تعليقاتهم مختلطة. شكّك البعض بهذا الاكتشاف واعتبر الزرع مزيفاً. لكن يشتبه البعض الآخر باحتمال أن يكون الزرع حقيقياً. في مطلق الأحوال، يجب أن تحصل اختبارات علمية متنوعة قبل إصدار الحكم النهائي حول حقيقة الزرع.

يقول أستاذ الأنثروبولوجيا، جون فيرانو، من جامعة "تولان" في لويزيانا: "أنا أشكّ بحقيقة هذا الاكتشاف. قد يكون الزرع المعدني خدعة معاصرة حتى لو كانت الجمجمة حقيقية. بكل بساطة، أظن أن الزرع مفبرك، وهو يهدف إلى إعطاء قيمة مضاعفة للجمجمة. ربما قام أحدهم بدسّ هذا الزرع المعدني منذ عقود عدة، قبل أن يحصل المتحف أو المتبرع على الجمجمة".

حلّل فيرانو عدداً من جماجم الأنديز التي يُفترض أن تشمل زرعاً معدنياً ونشر تقريراً حول هذا الموضوع في العام 2010 في "المجلة الدولية لعلم الآثار".

يصف فيرانو في تقريره الجماجم التي تشمل زرعاً معدنياً مزعوماً ويستنتج أنه معدن مزيّف، أو ربما لم يكن المعدن عبارة عن زرع جراحي بل استُعمِل على شكل أضاحٍ في الماضي.

برأي علماء آخرين، قد يكون الزرع المعدني حقيقياً لكن لا يمكن إصدار أي استنتاج نهائي قبل إجراء اختبارات إضافية.

تقول دانييل كورين، أستاذة في علم الأنثروبولوجيا في جامعة كاليفورنيا، سانتا باربرا: "لم يسبق أن شاهدتُ أمراً مماثلاً. استناداً إلى الصور، يبدو أن القطعة المعدنية اتّخذت هذا الشكل الرقيق بعد ضربها بالمطرقة. وبناءً على أنماط الكسور، يبدو أنّ هذا الفرد، وهو ذكر متقدم في السن على الأرجح، تعرّض لضربة شديدة القوة على الجانب الأيمن من رأسه. وبما أن خطوط الكسور المتموّجة والمُركّزة تحمل علامات شفاء، يعني ذلك أن هذا الفرد بقي على قيد الحياة طوال أسابيع أو أشهر على الأقل".

نظراً إلى تنوع تكنولوجيا المعادن في أنحاء جبال الأنديز في تلك الحقبة، قد يسمح اختبار المعدن في الجمجمة بتسليط الضوء على مكان تصنيعه.

توضح كورين: "من المفيد أيضاً تصوير الجمجمة بالأشعة السينية لمعرفة إذا كانت القطعة المعدنية تغطي ثقباً و/أو كسراً مفتوحاً في الجمجمة. تشمل الاكتشافات السابقة بعض الحالات حيث يوضع جزء من عظام الفرد أو قطعة يقطين في الثقب بعد إحداثه".

في مقالة نشرتها "المجلة الأميركية للأنثروبولوجيا الفيزيائية" في العام 2013، عرضت كورين قصة شخصٍ كان يقيم في البيرو منذ 800 سنة تقريباً وكان يضع على رأسه قبعة ضيقة مزودة بغطاء معدني ملصق بها. كان الناس يضعون هذه القبعة على شكل خوذة لحماية المنطقة المثقوبة عن طريق النقب.

أخيراً يقول كينت جونسون، أستاذ في الأنثروبولوجيا في جامعة ولاية نيويورك في "كورتلاند"، إن الزرع المعدني قد يكون حقيقياً، لكنه يؤكد ضرورة إجراء اختبارات أخرى. لكن بغض النظر عن حقيقة هذا الزرع، من الواضح أن الشخص الذي تلقاه نجا من إصابة مريعة.

يضيف جونسون: "يسهل أن نفترض أن هذا الشخص نجا من الموت. تحمل الجمجمة آثار ضربة قوية على الجانب الأيمن، وهي تؤثر في العظام الجدارية الأمامية والصدغية واليمنى. هذا الفرد بقي على قيد الحياة لفترة من الزمن بعد تلك الإصابات على ما يبدو. ثمة أدلة على الشفاء في أطراف العظام المكسورة التي حصلت على الوقت الكافي للتلاحم مجدداً".

حتى الآن، لم يُحسَم الجدل حول هذا الاكتشاف ولم يتضح بعد توقيت إجراء الاختبارات الجديدة على هذه الجمجمة الغامضة.