منير يونس

عربيد: لا سياسة اجتماعية في لبنان... لا الآن ولا تاريخياً!

8 دقائق للقراءة
شارل عربيد

يعزو رئيس المجلس الاقتصادي الاجتماعي شارل عربيد التأخر في وضع الخطط الاصلاحية والتراكم السلبي لتداعيات الأزمة المالية والاقتصادية في لبنان الى الاشتباك السياسي القائم والمستمر منذ فترة من الزمن. فالأفق السياسي مقفل تقريباً، برأيه، كما أن قرب الانتخابات النيابية لا يسهل او يسرع المخارج، لا بل يشرع ابواب المزايدات السياسية. ويرى أن الهم اليوم لدى الجميع هو تقطيع الوقت حتى الانتخابات، مع النقاش حول ما اذا كانت ستجري في موعدها أم لا.

ويضيف في حوار مع "نداء الوطن" أن المجلس الاقتصادي الاجتماعي يحبذ بشكل مطلق اجراء هذه الانتخابات في موعدها، لانها قد تكون بداية طريق لنصل الى ورشة عمل على قرارات قابلة للتنفيذ سواء في المجلس النيابي أو السلطة التنفيذية.

الاشتباك السياسي

ويحذر من انعكاس الاشتباك السياسي ووقعه على الواقع الاقتصادي. ويقول: نكرر دائماً، انه لا معالجات اجتماعية من دون معالجات اقتصادية ولا معالجات اقتصادية من دون سياسة تقررها. هذا الاشتباك يجعل الحكومة مترددة في اتخاذ الكثير من القرارات الاصلاحية. ففي لبنان، وفقاً لرئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ثمة ممارسة خطأ في اعتماد ما يسمى الديمقراطية التوافقية التي أوصلت البلد الى ما وصلت اليه. ويطالب بديمقراطية تشاركية تجعل الناس وقوى الانتاج والاحزاب ومن هم داخل الحكومة وخارجها.. شركاء في قرارات مصيرية مثل التي يجب أن تتخذ الآن، حتى لو كان ذلك في رزمة القوانين المطلوبة، والأهم من ذلك هو المسار التفاوضي مع المؤسسات الدولية لا سيما صندوق النقد الدولي. فهناك قرارات اذا اتخذت ستلزم لبنان لنحو 5 و10 وربما 15 سنة قادمة.

وعن صندوق النقد يشير الى تقدم بالمسار التفاوضي معه، علما بأن مفاوضات كهذه تأخذ وقتاً وتحتاج الى دعم باجماع سياسي. ويعتقد ان صندوق النقد هو الممر الالزامي بالنسبة لحل ازمة لبنان، وهو الشريك الضروري لاعادة النهوض بالبلد. فالصندوق ليس عبارة عن قرض ولبنان وحسب، بل ان الاتفاق معه يمنحنا اقراراً بان لبنان يسير في خطة تعاف، ويسهل علاقتنا مع الدول الصديقة ودول العالم ومؤسسات التمويل الدولية. إلى جانب اعمدة يجب ان نتمسك بها، كما يؤكد عربيد، هي العلاقة الجيدة مع دول الخليج، والتعويل على طاقات الاغتراب اللبناني الكبيرة لدعم لبنان. لكن كل ذلك لا يعوض ضرورة عودة اللبنانيين في الداخل الى الانتاج. وهذا يتطلب ثقة بالسياسة الاصلاحية واعادة هيكلة القطاع المصرفي. ويسأل: كيف يمكن تحقيق نمو اقتصادي واجراء مفاوضات مع صندوق النقد تحت حراب هذا الاحتدام في الاشتباك السياسي؟ ويذكر الجميع بأن لبنان يتقهقر الى الوراء بالخدمات العامة والبنى التحتية. وأي تأخير في خطة للنهوض يجعل التحديث والاصلاح اصعب لاحقاً. فليس لدينا ترف الوقت والكلفة ستزيد اذا اضعنا المزيد من الوقت.

توزيع الخسائر

بالنسبة لتوزيع الخسائر، يوضح عربيد ان ما يهم المجلس الاقتصادي والاجتماعي هو وضع المودعين اولاً. ويعتبر ان الدولة ومصرف لبنان واحد لا اثنان. فالبنك المركزي جزء من الدولة. قد يكون مستقلاً ببعض القرارات وفق قانون النقد والتسليف لكنه مصرف الدولة. لذا لا يتحدث عربيد عن 4 اطراف في معادلة توزيع الخسائر بل 3 اطراف: الدولة ومصرف لبنان ضمناً، المصارف، والمودعون. ويسأل مجدداً: هل نعفي الدولة من التزاماتها وننسى او نتناسى ما هي امكانات الدولة؟ في دولتنا امكانيات كبيرة، ولا توجد دولة مفلسة في العالم بل لديها دائما أصول. ولديها قلم: قلم توقّع به. وهذا الامضاء له قيمة كبيرة جداً، خاصة اذا استخدم بشكل تنافسي ودقيق وشفاف. ولا يمكن القول، برأيه، ان لا علاقة للدولة بالخسائر، كما لا يمكن التسليم بان كل اصول الدولة تخصص لردم فجوة الخسائر. انها عملية مركبة من عدة حلول. ثم هل نعرف بالظبط ما هي هذه الاصول؟ هل اجريت جردة علمية لها؟ وهل هناك تقييم ما لهذه الاصول؟ كل ما نسمعه عبارة عن "شلف بشلف". ومع ذلك يكرر أننا لسنا دولة فقيرة. لدى الدولة القلم لاستخدامه في التراخيص والامتيازات ومشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتشركة المؤسسات العامة.

أين الإصلاح المصرفي؟


أما بالنسبة للمصارف فيطلب قيامها سريعاً بوضع خطة لنعرف ما ستقوم به في السنوات القادمة لاستعادة الثقة أولاً، ثم البدء بالعودة الى دفع ودائع الناس لاحقاً. كل ما نشهده اليوم على الصعيد المصرفي، حسب عربيد، هو عبارة عن تعاميم من مصرف لبنان، ولا نعلم اين هم اصحاب العلاقة من كل ما يجري!

ويوضح: عندما أودعت الناس ودائعها عند المصارف، لم تكن لها علاقة مباشرة لا مع مصرف لبنان ولا الدولة. المودع اختار المصرف الذي يريد وأودع ماله وثقته في هذا المصرف او ذاك. فاذا كان المصرف اتبع مساراً معيناً بغض النظر اذا كان مسيّراً او مخيّراً، يبقى ان علاقة المودع مع المصرف ولا احد غير المصرف. لذا على اصحاب المصارف ومن واقعهم الذي يعرفونه اكثر من غيرهم اعلامنا بما يستعدون له. فليقولوا لنا اذا كانوا ينوون رد الودائع أم لا. واذا نعم، كيف سيقومون بذلك. ويسأل بتعجب واستغراب: هل يعقل أنه رغم كل ما حدث لم يتغير مجلس ادارة بنك واحد؟ ويشدد على ضرورة الاسراع في اصلاح القطاع المصرفي، لان لا اقتصاد من دون بنوك وائتمان، ولا انتاج من دون تسليفات. ولا اقتصاد نامياً خالقاً لفرص العمل من دون انتاج.

وعن دور المجلس الاقتصادي الاجتماعي يقول: نطلب من الحكومة ان تشركنا في قراراتها لابداء الرأي والمشورة، ونقول لها من منظارنا كقوى ومجتمع انتاج ومواطنين.. ما وقع هذه القرارات على اعادة تشغيل محركات القوى الاقتصادية. الى ذلك، فان ما يهم المجلس في المفاوضات مع صندوق النقد والسياسات العامة هو الشق الاجتماعي والفقر والبطالة والهجرة.

ويجزم عربيد انه ليس لدينا اي سياسة اجتماعية في لبنان تاريخياً، مشيراً الى اننا نسمع موسمياً عن بعض الاهتمامات الاجتماعية تحت ضغط مطالب بعض القطاعات والنقابات وبعض الاحزاب اليسارية. لكن لا خطة اجتماعية مرتبطة بالانتاج وتكبير حجم الاقتصاد وكيفية الافادة من الميزات التفاضلية والتنافسية للبنان. غياب السياسة الاجتماعية تاريخياً في لبنان، برأيه، أوصل الى الوضع الذي نحن فيه من فقر وبطالة وهجرة ونقص خدمات في الاستشفاء وغيره من القطاعات الحيوية اجتماعياً.

الآن ومن ضمن الخطط لعلاجات الأزمة يفترض وضع عناوين سياسة اجتماعية تحاكي حاجاتنا وواقعنا الصعب والأليم. ويلخص عربيد ذلك في عدة كلمات: عندما تصبح الحاجات حقوقاً، يصبح لدينا سياسة اجتماعية.

ضرورة المحاسبة


عن ضرورات المحاسبة لا يتوانى عن توكيد انها اساس كي لا يتكرر الخطأ الذي ارتكب. لكن هل نقعد عن اي فعل قبل المحاسبة؟ هناك امور طارئة آنية وسريعة. لدينا مساران ينطلقان معاً: العمل للمستقبل والمحاسبة على اخطاء الماضي. علما بأن من يأخذ القرارات هي الحكومة، اي القوى السياسية المشكلة للحكومة. وكيف للمجلس النيابي ان يحاسب اذا كانت هذه الحكومة عبارة عن برلمان مصغر، وهنا مكمن لب المشكلة! ويضيف: المحاسبة ممارسة وثقافة. نريد مواطنين لا يرتكبون المخالفات ونريد من يحاسب المرتكب. وللمثال، لدينا استحقاق بعد شهرين، هل سيحاسب اللبنانيون الطبقة السياسية؟ اتمنى ان يأتي التصويت نتاجاً لما قامت به القوى السياسية من صالح او طالح. مع الأخذ في الاعتبار خطأ قول ان كل شيء سيئ في لبنان.

الإصلاح الإداري


وبشأن بعض الاصلاحات يتطرق عربيد الى حجم الادارة العامة والى متى الاستمرار في هذه التخمة بالموظفين. ويرد على ما يقال الآن عن ان كلفة تلك الادارة لم تعد كبيرة بسبب تدهور سعر الصرف، بأنه حتى لو انخفضت الكلفة فالحجم ما زال كبيراً. برأي عربيد، أي عملية تصحيحية مثل مسألة الأجور واستعادة القوة الشرائية لزيادة الاستهلاك يجب مواكبتها باصلاح اداري، كما يؤكد.

عن الواقع الاقتصادي وشبه انعدام النمو يشير عربيد بأسف الى ان 70% من ناتجنا القومي يدور حول الاستهلاك، بغض النظر ان كان ذلك جيداً ام لا،هذا هو الواقع. من دون استهلاك لا نمو اقتصادياً يرجى. ومن العناوين التي يتابعها المجلس الاقتصادي والاجتماعي توحيد سعر الصرف. إذ لا يمكن الاستمرار بأسعار صرف مختلفة، والى متى سنبقى في اقتصاد الكاش؟ هكذا اقتصاد لا يخلق نمواً اقتصادياً.

فلنبدأ بتحييد لبنان عن الصراعات

لا ينكر شارل عربيد أننا في بلد تخلق فيه كل يوم مشكلة سياسية معقدة، وهذا تاريخي. ويقول: اصبحنا نجيد ادارة الازمات، لكن حان الوقت لتذوق طعم العيش العادي والطبيعي، وفق ما لدينا من مقومات أولاً. فالهم العالمي في مكان آخر حالياً بعد الحرب الروسية على اوكرانيا، بعدما كان تسنى للبنان اصدقاء حول العالم يحاولون مساعدتنا في الفترة الماضية. ويشرح كيف اننا نحتاج الى احساس عال بالمسؤولية، ووعي صادق، وقرار شجاع لتحييد لبنان عن الصراعات الاقليمية والدولية. فلنبدأ بأمور لا تحتاج لقرارات دولية، ولا لنظام اقليمي جديد. وعندما يأتي هذا النظام نكون حاضرين له، لاننا اصحاب دور كلبنانيين بفعل الابداع والمبادرة والثقافة وطريقة العيش ونمط الحياة الذي يميزنا عن غيرنا، كما يؤكد عربيد.

الخوف كل الخوف من التفكك الاجتماعي

عن الهواجس يسهب عربيد في التعبير عن خوفه كثيراً من التغيرات المجتمعية. فلبنان اولاً وأخيراً عبارة عن ناس، وأي تفكك اجتماعي سيكون خطيراً، برأيه. كما أن تكوين النسيج الاجتماعي المتفكك صعب جداً. لذا فان الحديث عن الخسائر وتوزيع الخسائر هو امر مالي نعالجه بخطة، بانتظار ثروات مثل النفط والغاز على سبيل المثال لا الحصر. أما اذا تغيرت التركيبة المجتمعية فنخسر راسمالاً كبيراً يصعب تعويضه، وهذ ما يحذر منه عربيد بقوة.