وفق الأساطير الشائعة، يقال إن الشيطان نزل ليتنزه داخل بركان في جنوب إيطاليا، وقد ترسّخ أثر كل خطوة قطعها في الصخر الصلب إلى الأبد.
يُعرَف هذا المسار باسم "درب الشيطان"، لكن لا تكشف التفاصيل المنشورة في العام 2020 حكاية شيطانية من هذا النوع بل قصة أكثر إثارة للاهتمام حول طريقة ظهور تلك الآثار.
تُعتبر هذه الآثار الغامضة معروفة للمقيمين بالقرب من بركان "روكامونفينا" الخامد الذي يقع في جنوب إيطاليا ولم ينفجر منذ عشرات آلاف السنين.
منذ العام 2001، يحاول الباحثون تفسير عشرات الآثار التي خلّفها عدد صغير من أسلافنا البشر، أو حتى الحيوانات أثناء تسللها إلى أسفل سفح الجبل.
لكن تذكر مقالة بتاريخ كانون الثاني 2020 أن عدداً من هؤلاء الأفراد عاد أدراجه نحو أعلى الجبل. على مر السنوات الأخيرة، طرحت رحلات استكشافية عدة قياسات مفصّلة عن ما مجموعه 67 فجوة عميقة خلّفتها حركة الأقدام والأيادي والسيقان، وهي تنقسم بين ثلاثة مسارات مختلفة تنبثق من قمة الجبل.
بفضل مساهمات فريق علمي من معاهد إيطالية متنوعة، حصلنا على تفاصيل وافية عن 14 بصمة (كانت أكبر حجماً من الآثار الأخرى)، ويتجه بعضها نحو أعلى الجبل، لا أسفله.
سبق وأثبت التأريخ الإشعاعي والجيولوجي لطبقات الصخور المختلفة أن تلك الآثار ظهرت في طبقة الرماد الناعمة التي أنتجها انفجار البركان منذ 350 ألف سنة تقريباً، ما يجعلها من أقدم آثار أقدام البشر المحفوظة في السجلات.
لكن من ترك هذه الآثار وراءه؟ يستحيل أن نتوصل إلى جواب قاطع بناءً على مجموعة من الأشكال الباهتة التي أصبحت مضغوطة على نحو غريب داخل الرواسب البركانية القديمة.
يبدو أن تلك الآثار تشتق من خمسة أجسام مختلفة على الأقل. قد يسمح تكثيف التحقيقات بغربلة الأفكار حول جنس الكائنات وكتلتها الجسدية أو حتى طولها.
بما أن الإنسان العاقل طوّر خصائصه الأساسية قبل 315 ألف سنة فقط، يمكن التأكيد على عدم انتماء تلك الكائنات إلى جنسنا البشري المعروف. لكن يملك الباحثون أدلة أخرى.
تحمل الآثار الأكثر وضوحاً مؤشرات على وجود إنسان ذكر راشد. في الوقت نفسه، تشير أشكال جزءٍ كبير من آثار الأقدام إلى احتمالٍ مثير للاهتمام. تبدو طبيعة الجهة الخلفية الواسعة من القدم وتراجع علو القوس مشابهة لأقدام من دُفِنوا في "حفرة العظام".
أصبح أصحاب تلك البقايا التي تعود إلى 430 ألف سنة محط جدل واسع منذ سنوات، وتتراوح التوقعات المطروحة بين إنسان هايدلبيرغ، والإنسان البدائي نياندرتال، والدينيسوفان، لكنها تعود في النهاية إلى إنسان نياندرتال.
إذا كانت تلك الكائنات من فئة نياندرتال فعلاً، من المنطقي أن تشتق آثار الأقدام من مجموعة راشدين شباب (لكن تبقى هذه الفرضية غير مؤكدة). في مطلق الأحوال، يفضّل الباحثون ألا يطرحوا أي استنتاجات جازمة حتى الآن.
في مقابلة مع الصحافي مايكل مارشال من مجلة "نيو ساينتست" في كانون الثاني 2020، قال المشرف الرئيسي على البحث، أدولفو باناريلو: "لقد قررنا ألا ننسب تلك الآثار إلى فصيلة محددة".
لا يمكن معرفة السبب الذي دفع مجموعة قديمة من أشباه البشر إلى التنقل وسط السخام والحطام بعد انفجار فتحة الجبل بقوة، لكن تكشف آثار الأقدام أن أحداً لم يكن على عجلة من أمره.
إستناداً إلى بطء إيقاع التحرك الذي يقتصر على متر واحد في الثانية، وعدد آثار الأقدام التي تتجه نحو أعلى الجبل، والأدوات البازلتية المتناثرة في الجوار، يسهل أن نفترض أن هؤلاء الأفراد كانوا يمضون يوماً عادياً آخر من حياتهم إلى جانب بركان ناشط. لكنّ الدوس ببطء على رواسب حمم بركانية بلغت حرارتها للتو 300 درجة مئوية ليس عملاً قد يقوم به أصحاب القلوب الضعيفة، مهما كانت نعالهم صلبة.
بناءً على حسابات شائكة، يفترض الباحثون إذاً أن الطبقة التي داس عليها هؤلاء الأفراد يجب أن تبرد وتتراجع حرارتها إلى 50 درجة مئوية على الأقل، ما يعني مرور بضع ساعات فاصلة بين انفجار البركان وبدء رحلتهم.
يسهل أن نتخيّل وجود أعضاء مجتمع قديم كانوا يقيمون في ظل جبل معروف بقذف سُحُب ساخنة من الغاز السام والرماد الموحل من وقتٍ لآخر، فكان عدد صغير منهم يسلك طريقاً مألوفاً لتفقّد الأشلاء. في النهاية، قد لا تكون "سياحة الكوارث" (زيارة المواقع التي شهدت كوارث طبيعية أو بيئية) ظاهرة حديثة العهد.
نُشِرت نتائج هذا البحث في "مجلة العلوم الرباعية".