غصّة وحيرة وحزن في وداع ميشال مكتّف... البطريرك العبسي: كان رجل قناعات ومبادئ إنجيلية قوية ثابتة

6 دقائق للقراءة

بكى محبّو ناشر صحيفة «نداء الوطن» ميشال مكتف، مع عائلتيه الصغيرة والكبيرة وأصدقائه، في وداعه أمس. وترأس الصلاة الجنائزية عن نفسه بطريرك انطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك يوسف العبسي، في مطرانية بيروت، عاونه المطارنة جورج بقعوني، كيرلس سليم بسترس، يوسف كلاس وأنطوان نجم، رئيس عام الرهبنة الشويرية الارشمندريت برنارد توما وحشد من الرؤساء العامين والكهنة، في حضور أهل الفقيد وعائلته، إضافة إلى الرئيس أمين الجميل وعقيلته جويس، النائبين نزيه نجم وإدي أبي اللمع، رئيس حزب الكتائب سامي الجميل وعقيلته كارن وشخصيات.


كلمة العبسي

وبعد الإنجيل المقدس، ألقى العبسي كلمة قال فيها: «نجتمع اليوم لنودّع بالصلاة الابن المحبوب والصديق العزيز والأخ الغيور ميشال مكتف الذي ناداه الله تعالى إليه منذ يومين، فانتقل بلمحة بصر، من دون وداع، تاركاً في القلب غصة وفي العقل حيرة من أمر هذا السرّ، سرّ الموت المحتّم على كل بشر، والذي لا مفرّ لإنسان منه، ولكن تاركاً خصوصاً في القلب إيماناً بأن هذا الموت، الذي رأى القديس بولس فيه آخر عدوّ للإنسان، قد انتصر عليه السيد المسيح ووطئه وكسر شوكته إلى لا رجعة بقيامته من بين الأموات».


أضاف: «اجتمعنا لنودّع هذه الأمانة، ابننا ميشال، بين اليدين اللتين جبلتاه، يدي الخالق، على رجاء أن يدخل اليوم إلى الفرح الإلهي الذي وعد به الرب يسوع المؤمنين به، على رجاء أن يكون استعاد الصورة الإلهية التي خلق عليها، الصورة التي وإن يكن الضعف البشري قد يكون أصابها في مسيرتها على الأرض، إلا أنها تبقى إلى الأبد جميلة ومحبوبة في عيني الله الذي قال عنها حين أبدعها إنها جميلة جداً. هذا ما جمعنا في هذه الساعة الخاشعة. أن نصلي من أجل ميشال. ومع صلاتنا من أجل ميشال نصلي أيضاً من أجل أنفسنا نحن المحزونين بفراقه، لأن القديس يعقوب يعلمنا في رسالته قائلاً: «إن كان فيكم محزون فليصلِ»، ولأن الرب يسوع صلّى في ليلة آلامه قبل الذهاب إلى الموت وطلب أيضاً من التلاميذ أن يصلّوا معه. فلنصلِّ إذن اليوم أيها الأحباء ونحن نفكر في حضرة ابننا ميشال لأن الصلاة هي التي تضيء أشياء وأمور حياتنا وعلى ضوئها نرى كيف عاش المنتقل حياته المسيحية».


وتابع: «ما عرفناه بشكل عام عن ميشال أنه كان رجل أعمال ناجحاً. لكن ميشال، كما عرفته عن كثب وعرفه الكثيرون أيضاً كان رجل قناعات ومبادئ إنجيلية قوية ثابتة صقلت شخصيّته ورسمت طبيعته الفرحة والمحبّة. نشأ وتربّى في عائلة مسيحية عريقة فكان الإنسان المؤمن الغيور على كنيسته وعلى بهائها، الحاني على الضعفاء والمحتاجين فيها، يعطي من دون أن تعلم اليسار ما تفعل اليمين، ومن دون أن ينتظر المديح والشكر، لأن بذلك فضله كما علّمنا السيد المسيح ولأن بذلك طريقه إلى الفرح الإنجيلي. من عرف ميشال رأى فيه أيضاً رجلاً وطنياً مخلصاً ومحباً للبنان، سعى بشتّى الطرق لكي يبقى لبنان سيداً وحرّاً.


متفائل رغم كلّ شيء


في لقائي الأخير معه، منذ حوالى شهر، أفصح لي عن تفاؤله بمستقبل لبنان وعن قناعته بأن الغيمة السوداء التي تعتّم على اللبنانيين سوف تمرّ وسوف يعود البلد إلى عافيته. كان كلامه مستغرباً لكثرة ما تبعث الأحداث التي تجري في هذه الأيام على التشاؤم، وبسبب ما كان لحقه من أذى من الحملة الدعائية التي تعرّض لها. لكن ميشال ظلّ متفائلاً رغم كل شيء لأن تفاؤله هذا كان ينبع من إيمانه ومن رجائه بضرورة الحفاظ على لبنان كبلد حرّ، فيه من المساحة ما يسع جميع أبنائه. هذا الإيمان عينه الذي كان له بلبنان دفعه إلى خوض ميدان السياسة عبر الترشح لدخول الندوة البرلمانية كتعبير عن قناعته بأن على الجميع أن يبادروا لمنع لبنان من الانهيار. كذلك دفعه إيمانه هذا للدخول في ميدان الصحافة عبر جريدة «نداء الوطن» التي أرادها مساحة للكتابة الحرّة وللتفكير الحرّ وللرأي الحرّ الذي يعبّر عنه باحتراف واحترام».


وقال: «لكن من عرف ميشال معرفة أعمق رأى فيه خصوصاً الإنسان المخلص لعائلته الحاضر معها والداعم لها. لم يكن فقط الأب بل كان أيضاً الصديق والسند. زرع في أولاده حبّ الكنيسة وحبّ الوطن. زرع فيهم الإيمان والرجاء والتفاؤل. وزرع فيهم بشكل خاص الفرح الذي عرف عنه والعزيمة الشديدة حتى في أصعب العقبات. حزننا اليوم عميق لأن الفراغ الذي تركه ميشال كبير جداً. لكن حزننا ليس كباقي الناس الذين لا رجاء لهم لأن يسوع معنا، يسوع الذي قال لنا لا تخافوا لقد غلبت العالم، يسوع الذي قال لمرتا ومريم أنا القيامة والحياة من آمن بي فلن يذوق الموت إلى الأبد. ميشال نفسه يدعونا إلى أن نتحلّى بالإيمان الذي تحلّى به هو. ميشال يؤكد لنا أنه في هذا اليوم الذي ننهي فيه فصل الشتاء قد انتقل من شتاء الأرض إلى ربيع السماء، وأنه يرتاح مع يسوع الحبيب الذي قال «تعالوا إليّ أيها المتعبون والمثقلو القلوب وأنا أريحكم».


وختم العبسي: «الإرث الذي يتركه ميشال لعائلته كبير والوفاء لميشال دافع لمتابعة مسيرته ولعيش قناعاته المسيحية والإنسانية التي عاشها وتعب من أجلها. لا ندع الخوف يتسلل إلى قلوبنا، فميشال، ولو غاب في الجسد إلا أنه حاضر في الزمن الإلهي مع السيد المسيح، ونحن نعيش الشركة معه من خلال الصلاة كما تعلمنا الكنيسة أمنا. وما دام ميشال في قلبنا وما دامت محبته فينا فهو حيّ أبداً.


باسم أخي سيادة المطران جورج بقعوني راعي الأبرشية الجزيل الاحترام، وباسم الآباء الأجلّاء المشاركين في الصلاة، وباسم الأقارب والأصدقاء والحاضرين، أقدم التعزية الخالصة لزوجته الكريمة ولأولاده المحبوبين ولإخوته وعائلاتهم وجميع أفراد الأسرة. وأسأل الله تعالى أن يتغمّد ابننا ميشال بواسع رحمته وأن يفرحه في نور القيامة الذي لا يغرب مع الأبرار والصديقين. آمين».


وألقى نجل الفقيد، كريم، كلمة باسم العائلة، عبّر فيها عن فخره بوالده «الذي علمنا حب الناس والصدق والدفاع عن المظلوم والتواضع والكرامة وحب الحياة».

أما شقيق الفقيد، روني، فألقى كلمة تحدّث فيها عن مزايا الراحل «والمحبة والاهتمام اللذين كان يكنّهما لعائلته».


على الأكتاف

أُسرة «نداء الوطن»

جموع المُعزّين

صلبان وأكاليل

العبسي مؤبّناً الراحل