الضاهر: ضعف بنيوي لاقتصادٍ "مُدَولَر" قوامُه الاستهلاك والاستيراد

10 دقائق للقراءة
أعَدّ سمير الضاهر، الخبير الاقتصادي والمالي مستشار رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، ورقة استعرض فيها تشخيصاً دقيقاً للأزمة وأسبابها التاريخية، مشدداً على الضعف البنيوي لاقتصاد مدولر قوامه الاستهلاك والاستيراد، مع فقدان مناعة تحمّل الصدمات. وأشار الضاهر باسهاب علمي الى الآثار السلبية لتثبيت سعر الصرف، وكيف اصبح الاقتصاد اللبناني غير منتج يعيش على الدعم المباشر وغير المباشر. فتحول لبنان الى دولة رعاية من دون امتلاك المقومات المالية لذلك، ما أدى الى التفريط بودائع المقيمين والمغتربين. وفي ما يلي نص الورقة:




 لا ضرائب جديدة... بل تعديلات تعكس انخفاض العملة

1. تُوَفِّر العناصر الرئيسية لمشروع قانون موازنة 2022 الذي يُناقَش حالياً في مجلس النواب مقياساً حقيقياً للَصدَمات الاقتصادية والمالية التي يعاني منها لبنان منذ ثلاث سنوات، من تدهور قيمة العملة، وتعثُّر النظام المصرفي، وانكماش الاقتصاد، والتضخُّم المُفرط، وارتفاع معدّلات البطالة ومستويات الفقر. وقد يُشكِّل عام 2017 قاعدة جيِّدة لمقارنة ما كان عليه اقتصاد لبنان إلى ما حال إليه. آنذاك بلغ إجمالي الناتج المحلي 53 مليار دولار أميركي، وتوقُّعات النفقات العامة 17 مليار دولار، أو 30% من الناتج المحلي. أما لعام 2022، فمن المتوقع تراجع الناتج المحلي إلى 22 مليار دولار، ونفقات الموازنة إلى 2,2 مليار دولار، أي 10% من الناتج المحلي. ومع العجز المتوقّع بقرابة 2% من الناتج خلال العام، لن تتعدّى الايرادات الحكومية 8% من الناتج المحلي، وهو انخفاضٌ حاد قياساً بمستويات ما قبل الأزمة والتي كانت تناهز 20% من الناتج المحلي، وهي اساساً نسبة ضئيلة مقارنةً بالمعايير والممارسات الدولية الجيِّدة (33% مثلاً لمتوسط بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية). وخلافاً لما يُشاع، لا تتضمّن موازنة ٢٠٢٢ ضرائبَ جديدة أو زياداتٍ في معدّلاتها. مُجَرّد ما تنطوي عليه هو إعادة تعريف للشرائح الخاضعة للاقتطاع الضريبي وتعديلات على الرسوم الاسمية لتعكس جزئياً الانخفاض الحاد في قيمة العملة. إن ايرادات 2022 حكوميّة بنسبة 8% من الناتج المحلي لا تكاد تغطّي مرتَّبات القطاع العام وتمويل التحويلات الاجتماعية التي لا مَفرَّ منها في اقتصادٍ متهاوٍ. موازنة وصفها وزير المالية بأنها "موازنة تصحيحية لمرحلة انتقالية لها صفة طارئة تهدف إلى تأمين الاستقرار". استهلاك مُستورَد مدعوم

من ودائع اللبنانيين... بغفلةٍ عنهم

2. وبالتالي، يكون الناتج المحلّي قد انخفض على مدى السنوات الخمس الماضية (2017-2022) بقرابة 60% إلى 22 مليار دولار، في حين أنه تماشياً مع اقتصادات الأسواق الناشئة لكانَ من غير المستبعد أن ينمو بنسبة 25% إلى ما فوق 65 مليار دولار! وتثير مستويات الانكماش هذه، التي نادراً ما تشهدها اقتصادات ايام السلم، التساؤل حول كيف أمكن للبنان أن يهوي بهذه السرعة إلى قعرٍ ما دونه قَعرُ. الحقيقة أن أزمة لبنان ليست نتيجة انتفاضة تشرين 2019، بل عكس ذلك صحيح إذ كانت الانتفاضة نِتاجَ عقدَيْن من السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية المُضَلّلة، وعلى رأسها تراكم الديون السيادية التي رزح لبنان تحت وطأتِها فتَخلّف عن سِدادها، اضافةً إلى التزام سعر صرفٍ ثابت مبالغٍ في قيمته أجْهَزَ على القدرة التنافسية للاقتصاد وطاقته على التصدير، وكانت نتيجته الفعلية دعماً مُطلَقاً وشاملاً، وإن كان غير مباشر، للاستهلاك والواردات. وتَطلَّبَ ذلك معدلات فائدة مرتفعة جداً على الودائع المصرفية لجذب تدفقات رأس المال اللازمة لدعم ربط العملة. بالخلاصة، غدا لبنانُ اقتصاداً غيرَ منتجٍ ركيزته استهلاك مُستورَد مدعوم من ودائع اللبنانيين... بغفلةٍ عنهم.

قراراتُ دعم منوطةً ببنكٍ مركزي سخيّ يوزِّع عطاءاته بطريقتَيْن

3. عادةً ما يَتِمّ في معظم دول العالم وضع سياسات الدعم من قبل السلطات الاجرائية للنهوض بقطاعاتٍ وأنشطة اقتصادية محدَّدة، تستند قراراتُها إلى تحليلات تُبَيِّن العائد الاقتصادي والمالي لهذا الدعم من حيث نمو الناتج المحلي وخلق فرص العمل، او تنامي الصادرات، او حماية البيئة، او احتواء الهجرة من الريف إلى المدينة، إلخ... وتنطوي الإعانات عادةً على حسوماتٍ واعفاءات وإجازات ضريبيّة أو تحويلات مباشرة تنعكس زيادةً في نفقات الخزينة أو نقصاً في ايراداتها. وفي ما يخصّ دعم ومساعدة الفئات الأكثر عوزاً فيتُمّ من خلال نظام ضرائبي شفّاف وعادل، واقتطاعات تصاعدية يُجسِّد التكافل والتضامن الوطني والاجتماعي. أمّا في لبنان لم يكن الأمر كذلك، فباستثناء مخطط دعم الصادرات الزراعية الذي تديره "المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات" والذي يُعاني من تردّي أوضاع الخزينة، وعدد من الحالات الهامشية الأخرى، كانت قراراتُ الدعم الاساسية منوطةً ببنكٍ مركزي سخيّ يوزِّع عطاءاته بطريقتَيْن. أوّلُها من خلال حسومات أسعار الفائدة على شَتّى القروض من إسكان، وتكنولوجيا، وبيئة،... ما كان مُكلِفاً للخزينة وغير بَيِّنٍ في نفقاتها، ويخلق اختلالات في أسواق الائتمان. أمّا ثانيها، والذي شكَّل الكَمَّ الأعظم من الدعم، فكان عبر تثبيت سعر الصرف لعَقْدَيْن ونيِّف على مستوى عالٍ، أو بعبارة أدقّ، عبر دعم الليرة اللبنانية التي باتت قيمتُها الإسميَّة تفوق بهامشٍ شاسع قيمتَها الفعليَّة الحقيقيّة. بكلامٍ آخر، غدت العملات الاجنبية بما فيها الدولار الاميركي، وهو العملة المرجعية لتحديد سعر الليرة، رخيصةً مقارنةً بالليرة، ما نتج عنه، عملياً، تغطية شاملة لاستهلاك المقيمين في لبنان وتمويل وارداتهم التي باتت، حصراً بفعل العملة، ابخسَ سعراً وأسهلَ منالاً من السِلع المحلّية، فارتفعت الواردات، وانخفضت الصادرات، وانحسر الإنتاج المحلي للسلع والخدمات خاصة في ظل غياب حوكَمة فعالة، وبيئة مؤسسية داعمة للنمو، وبنية تحتية مؤاتيه (في عام 2018، فيما لم تتعدَّ الصادرات 3 مليارات دولار، تجاوزت الواردات 20 مليار دولار، ما يقرب من 40% من الناتج المحلي). وبعد فوات الأوان أدرك اللبنانيون غير المرتابين، أن دعم الليرة عبر ربطِها الثابت بالدولار، كان مُمَوَّلاً إلى حدٍ كبير من ودائعهم في المصارف ما ساهم في استنزاف مخزون الادِّخار الوطني فيها. ورغم التَضاؤل التدريجي لاحتياط النقد الأجنبي نتيجة عجز ميزان المدفوعات بدءاً من عام 2011، حافظ البنك المركزي على نظام الربط الثابت بين الدولار والليرة رغم فقدانه القدرةَ على تغطيةِ العجز المتنامي ولجمِ تهاوي قيمة الليرة نحو مستواها الحالي.

الأشدُّ فقراً واللاجئون والمهجرون كانوا أكثر المستفيدين نسبياً

4. أُرسِيَ نظامُ "الرعاية" في لبنان على شبكاتِ دعمٍ متداخلة تعمل بطريقة غير منظورة كانت إلى حدٍ ما تقدّمية بمعنى مؤازرتها للفقراء، حيث إن المواطنين المقيمين الذين لا يملكون حسابات مصرفية، وهم 50% من اللبنانيين بينهم الأشدّ فقراً، إضافةً إلى معظم الأجانب من لاجِئين ومُهَجَّرين، كانوا أكثر المستفيدين نسبياً من دولة الحضانة. بموازاة ذلك كان المودعون غير المقيمين يموِّلون مخطّطَ الدعم لجميع المقيمين، دون أن يجنوا أيّةً من فوائده عبر أسعار رمزيّة للخدمات والسلع من إمدادات كهرباء ومياه، ومشتقّات نفطيّة، ومواد غذائية، ودواء وصحّة، وتعليم. ومن بين هؤلاء كان اللبنانيون المغتربون الذين يعوِّلون على ودائعهم للعيش الكريم لدى عودتهم إلى الوطن. (كما نتج عن تعدّد أسعار الصرف نوعٌ آخر من تداخل الدعم بين المودعين. [*ملاحظة]

إنكشاف مفرط للبنوك على المخاطر السيادية (الخزينة والبنك المركزي)

5. ساهمت عوامل وإجراءات أخرى في خسارة أو استنفاد الودائع المصرفية المقوّمة بالدولار، والتي من الممكن، بل الضروري إلغاء مفعول بعضها. الأول كان انكشاف البنوك المفرط على المخاطر السيادية (الخزينة والبنك المركزي مجتمعَيْن) في خروج صارخ عن القواعد المصرفية الاحترازية، دون مبالاة الهيئات الرقابية التي ربما كانت معطَّلة مؤسسياً. وتمكّن البنك المركزي عبر الوصول غير المقيّد إلى الودائع بالعملات الأجنبية من المحافظة على نظام ربط الليرة بالدولار والاستمرار بسياسة الدعم إلى حين جفاف التدفقات المصرفية الوافدة. وكان هناك مصدر آخر لاستنفاد الودائع، وإن كان على نطاق أضيق، عندما دخلت حيز التنفيذ ضوابط فعليّة على التحويلات المصرفية، وإن لم يصدر قانونٌ بصددِها، إذ سُمِح لكبار المودعين، من ذوي النفوذ أو الاطِّلاع على الأرجح، بِسحبِ أموالِهم من المصارف، ما يُعتبر جزءاً من "الاموال المنهوبة"، مما أدى إلى تقليص الموارد المُتوفِّرة للتوزيع على قاعدة المودعين أجمعين. لِذا، بداعي الإنصاف ومقتضى الأخلاق يجب إعادة هذه الأموال إلى مؤسسة الإيداع طوعياً أو جبرياً من خلال الإجراءات القضائية المُتاحة.

يجب السعي إلى "فطم" الاقتصاد عن اعتماده على الدولار

6. مع وقوع الواقعة والانكشاف الكارثي للأزمة مجسّداً خاصةً بتدهور قيمة العملة وتعثُّر النظام المصرفي، تَجَلّت الهشاشة البنيوية للنموذج الاقتصادي اللبناني. ومن عوامل الضعف الرئيسة هي "دَوْلَرَة" كِلا الموجودات والاستهلاك، وبالتالي عدم وجود "مقرض الملاذ الأخير" مما حال دون قدرة السلطة النقدية على تأمين السيولة اللازمة، بالدولار، لمواجهة الصدمات المتزامنة التي عَصَفَت، ولا تزال، بالاقتصاد الوطني. فعلى صعيد الموارد، كان ما بين 65% و 80% من ودائع القطاع المصرفي مقوماً بالدولار. أما الاستهلاك الذي يناهز80% من الناتج المحلي الإجمالي، فيعتمد على الاستيراد بنسبة 80% ما جعله أيضاً رهينةً للدولار. لِذا يجب السعي إلى "فطم" الاقتصاد عن اعتماده على العملة الأجنبية، ووضع الأسس لإعادة العمل بالعملة المحلية كأداة التبادل القانونية الوحيدة على الأراضي اللبنانية. وهذه عملية طويلة سيتوقف نجاحُها على استعادة الثقة بالاقتصاد الوطني أولاً، والسياسات المالية والنقدية ثانياً، ومن ثُمَّ العملة بما فيها الاعتماد على السوق لتحديد سعرها. ويمكن لقانون تقييد تحويلات رؤوس الأموال المطروح في مجلس النواب أن يبدأ بتعبيد الطريق في هذا الاتجاه. لقد فاتَ أوان الاصلاح وحلَّ زمن التصحيح.

مكاسِبَ ضخمة من أسعار الصرف المتعددة

ملاحظة: في واقع الدعم المتشابك هذا وتوازياً مع انهيار سعر الصرف، برزت مجموعةٌ لتُجْني مكاسِبَ ضخمة من نظام أسعار الصرف المتعددة. من بين هؤلاء «المُراجِحون» المثقلون بالديون الذين أُتيحَ لهم التسديد المُسبق لقروض التجزئة والإسكان طويلة الأجل المُقوَّمَة بالدولار، بسعر الـ1507 الرسمي الذي لا يزال قائماً للّيرة اللبنانية مقابل الدولار. هذه الممارسة غير المألوفة تُتَرجم عادةً إلى خسارة للمؤسسة المُقرِضَة كخصمٍ من حقوق الملكية. أمّا الآن وقد استُنفِدَت إلى حدٍ كبير الرساميل المصرفية، غَدَت هذه الخسائر تُستَأصل من الودائع، ما يزيد من تَقَلُّص حقوق المودعين. وهكذا، غدا المودعون المُجَمَّدَة أموالهم في القطاع المصرفي داعمينَ قسرييّن للمقترضين الفطناء ممّن يسددون التزاماتهم مسبقاً بسعر الصرف الرسمي بما يُقَدَّر بـخمسةٍ إلى ستّة مليارات دولار.