يذكر المصرفيون جيداً تحذير "صندوق النقد الدولي" لمصرف لبنان من الاكتتاب بهذه السندات آنذاك، لما سيكون له من نتائج سلبية وخطيرة على ميزانيته. اليوم تُعيد السلطة الكرّة، محاولة إبتزاز المصارف والتهويل بأن عدم "مساهمتها" بتمويل عجز الدولة سيدفع البلد الى الانهيار. الأمر الذي ترفضه المصارف، فهي "لم تلمس أي إجراء جدّي من قِبل الحكومة لتخفيض نفقاتها والبدء بالإصلاحات، حتى أن الضغوط الكبيرة التي مورست لتسليف الدولة 11 ألف مليار منذ أكثر من سنة لم تُترجم لغاية اليوم بتقديم الدولة أي اقتراح رسمي ومفصّل عن الموضوع الى جمعية المصارف"، يقول رئيس فريق الأبحاث الاقتصادية في بنك بيبلوس نسيب غبريل.
ضرائب جديدة
الورقة الإصلاحية الحكومية لا تقتصر على "مساهمة" المصارف بـ 5 آلاف مليار ليرة لتخفيض العجز أو خدمة الدين العام، إنما على زيادة الضريبة على المصارف، وهذا ما لن يكون تمريره سهلاً. "في الوقت الذي من المفروض أن تدفع فيه كل الشركات والمؤسسات، بما فيها المصارف، ضريبة دخل بنسبة 17 في المئة على أرباحها، فرض قانون الضرائب العام 2017 الذي صدر لتمويل سلسلة الرتب والرواتب، إزدواجاً ضريبياً على المصارف، فتخطّت نسبة الضرائب على البنوك 40 في المئة، وإذا أضفنا على ضريبة الدخل زيادة الضريبة على فوائد الودائع من 7 الى 10 في المئة يكون معدّل الضرائب الذي تدفعه المصارف يفوق الـ 50 في المئة"، يوضح غبريل.
بين الواجب والمحاذير
مقابل رفض الاكتتاب بسندات دَين جديدة متدنّية العوائد، والتصدّي لكل أشكال الضرائب على القطاع، هناك رأي يُشير الى أن "المصارف التي حققت عائداً على رأسمال بنسبة 11 في المئة في العام الماضي، من واجبها أن تدفع في ظل هذه الظروف. وبين القبول والرفض للتعرض للمصارف، هناك جملة محاذير موضوعية تفرض نفسها على المشهد العام: فمن يضمن إلتزام هذه الحكومة بالاصلاحات الموعودة، وألّا يمتص ورم القطاع العام المليارت المتأتية من المصارف كما سابقاتها؟ ومن قال إن أرباح المصارف "مسيلة" وانها ليست أرباحاً محاسبية، وأن الاموال بالليرة ليست وهمية وستساعد فعلياً على تخفيض العجز؟ وكيف تُفرض الضرائب وتُقتطع الارباح من المصارف من جهة، ويُفرض عليها تمويل الكهرباء والعجز والإقتصاد من جهة ثانية؟ ومن يضمن أن هذه الاجراءات لن تقوّض قدرات المصارف وتحدّ من دورها المركزي في النمو؟
حان الوقت لهذه السلطة السياسية ان تتحمّل مسؤوليتها وتستقيل، وأن تفسح المجال أمام دخول الخبراء من خلال حكومة تكنوقراط، إذ مهما فعلت هذه الحكومة لن ترضي الشارع الذي فقدَ ثقته بها بشكل مطلق.