كريثيكا فاراغو

كيف بدأت مسيرة المراسلين الأميركيين في الخارج؟

9 نيسان 2022

المصدر: The New Yorker

02 : 00

جون غانثر
في العام 1928، أطلق الاتحاد السوفياتي أول خطة خاصة به، مدتها خمس سنوات، وصمّم أول محاكمة سياسية صُورية بارزة في عهده. كان ليون تروتسكي منفياً في آسيا الوسطى حينها، وسرّعت أزمة الحبوب إطلاق عصر الصناعة، واعتبر "المؤتمر العالمي السادس للأممية الشيوعية" في موسكو الديمقراطية الاجتماعية شكلاً من الفاشية. في صيف ذلك العام نفسه كُلِّف جون غانثر، وهو مراسل في صحيفة "ديلي نيوز" في شيكاغو، بالذهاب إلى موسكو. كان يبلغ حينها 26 سنة. لم يستطع غانثر فهم طبيعة الدولة التي أنتجتها ثورة البروليتاريا في عهد فلاديمير لينين. لكن بما أنه كان مضطراً لتحضير التقارير الصحافية، كتب الملاحظات التالية: لا وجود لأي مقاهٍ خارجية، وبالكاد تنتشر الأضواء في الشوارع، ويحتشد الناس حول مكبرات الصوت لسماع نشرة الأخبار، وكان المسؤول عن خدمة الغرف في الفندق الذي ينزل فيه يعرض عليه سيجارة، وبدأ الخدم يأكلون اليوم إلى جانب العائلات التي يخدمونها. بعد أسابيع على تدوين هذه الملاحظات، جمع غانثر أخيراً تفاصيل هذه القصة تحت عنوان "أمسيات حيوية تطبع الحياة في العاصمة الروسية". وبعدما استقر في عمله الممتد على خمسة أشهر هناك، شملت مقالاته عناوين مثل "ارتدوا قمصاناً زرقاء في دور الأوبرا الروسية" و"روسيا أرض المفارقات".

سرعان ما ازدهرت مسيرة غانثر المهنية رغم افتقاره إلى المهارات التحليلية. لقد كتب تقارير من معظم الدول الأوروبية، وتكلم عن الشؤون الخارجية مع فرانكلين روزفلت، ونشر سلسلة من الكتب المرتبطة بالشؤون العالمية وحقق أعلى المبيعات. كان غانثر من أبرز المراسلين الأميركيين الأجانب بين الحربَين العالميتَين، وقد غطّى أحداث العالم قبيل بدء عصر الهيمنة الأميركية عبر خليط مميز من التحقيقات الصحافية الموضوعية والانطباعات الشخصية.

هذا النوع من الصحافيين هو محور كتاب Last Call at the Hotel Imperial (آخر دعوة في فندق إمبريال) للمؤرخة ديبرا كوهين. يطرح هذا الكتاب مواصفات المراسلين الأجانب الذين ساهموا في رسم معالم مهنة الصحافة التي نعرفها اليوم. كان هؤلاء الصحافيون بمصاف التجار في عصر "الجيل الضائع" مقارنــةً بالروائيين والشعراء الأكثر شهرة منهم، مع أن المراسلين أنتجوا شخصيات عملاقة في عصرهــم. كانت دوروثي تومسون مثلاً أول صحافية أميركية تطردها ألمانيا النازية وتُوجّه سياسة اللاجئين في عهد روزفلت، وقد جسّدت دورها الممثلة كاثرين هيبورن في الفيلم الكوميدي Woman of the Year (امرأة العام). كذلك، اشتهر فنسنت شيان حين كان في عمر الخامسة والثلاثين بعد طرح مذكراته Personal History (تاريخ شخصي) حيث يمزج بين انطباعاته الصحافية عن العالم وأفكاره الخاصة حول الشوائب السائدة بين الحربَين العالميتين. برز أيضاً اسم فرانسيس غانثر (شهرتها الأصلية فاينمان)، وهي كاتبة يهودية يسارية تزوجت من جون غانثر وأنجبت منه الأولاد.



والدة جوزيف ستالين في مقابلة صحافية



يتعلق أهم جانب من الشخصيات التي يقدّمها كتاب كوهين بوجود هؤلاء الأميركيين في الخارج فيما كانت الولايات المتحدة منشغلة بـ"صعودها العالمي المتعثر". لكن تغيّر دور المراسل الأجنبي بطريقة جذرية بعد الحرب العالمية الثانية. تكتب كوهين أن "الولايات المتحدة حاولت حينها فرض هيمنتها على الساحة الدولية وإعادة رسم العالم بما يتماشى مع دورها، فأصبح المراسلون الأجانب أكثر تورطاً في هذا المشروع، فكانوا ينتقدونه أو يؤيدونه". لكن نادراً ما كانوا مطّلعين بما يكفي على الدول الأخرى أو اللغات المستعملة فيها قبل سفرهم إلى الخارج.



دوروثي تومسون في بث إذاعيّ



حين راح جون غانثر والصحافيون النجوم الآخرون يغطّون أحداث العالم، لم يضطروا للتعامل مع مشاكل فنية على غرار الروائيين في عصرهم فحسب، بل إنهم ابتكروا من دون علمهم نموذجاً لكتابة التقارير الصحافية حول شؤون العالم على مر العقود التي تحوّلت فيها الولايات المتحدة من جهة بارزة في نصف الكرة الأرضية إلى قوة تهيمن على العالم كله. تكتب كوهين أن المعركة الكبرى كانت في بدايتها بين الديمقراطية والفاشية والشيوعية خلال الثلاثينات، وكان هؤلاء الصحافيون في ذروة نجاحهم في تلك المرحلة. تمحورت هذه المعركة أيضاً حول "الرأي العام العالمي" حيث يصبح المراسلون الأجانب "حكّاماً من تلقاء أنفسهم" بدل الاكتفاء بنقل الرسائل. عندما فازت الولايات المتحدة بالحرب العالمية الثانية، استمر الأسلوب الصحافي الذي كان سائداً بين الحربَين العالميتين حتى القرن الأميركي اللاحق وكان يتّسم بدرجة عالية من الموضوعية لكنه مليء بتفاصيل لافتة أيضاً.

كانت حقبة الهيمنة الأميركية كفيلة بتوضيح حدود المقاربة التي استعملها هؤلاء المراسلون. بعد فترة الأربعينات، أدت تغطية نشاطات الأفراد والأحداث اللافتة والتفاصيل المدهشة، من دون الالتزام بإطار إيديولوجي أساسي، إلى ترسيخ الخطابات الأميركية خلال الحرب الباردة بطريقة عمياء أو نسف الأثر الهائل والمباشر الذي تعطيه القرارات الأميركية على الشعوب في الدول الخارجية. يسهل رصد الأثر الأول في معظم التقارير خلال حرب فيتنام، ويظهر الأثر الثاني في التقارير المرتبطة بأحداث العراق خلال الحرب الأميركية هناك. كذلك، يتّضح التركيز على الشخصيات اليوم في مختلف الكتب التي تتطرق إلى الحكام المستبدين، وظاهرة الاستبداد ككل، والهستيريا العابرة تجاه قادة عالميين ليبراليين من أمثال رئيسة وزراء نيوزيلندا، جاسيندا أرديرن. جاء عهد دونالد ترامب ليبث حياة جديدة في خطابات فترة الثلاثينات حول الفاشية والقادة الفرديين. في زمن الاضطرابات الكبرى، يبدو انشغال الأميركيين بالشخصية الفردية طاغياً اليوم أكثر من أي وقت مضى.

فضّل الصحافيون المنتمون إلى الجيل الذي يتطرق إليه كتاب كوهين الانتقال إلى مجالات أكثر إيجابية بعد الحرب، رغم تأثيرهم المستمر على التحقيقات الصحافية الأميركية. كان المراسلون الأجانب يبحثون في السابق عن مخرج لهم، كما يحصل اليوم، فيتجهون إلى عالم الأفلام، والكتب، والراديو (أو المدونات الصوتية)، والفيديوات، والتعليقات، أو هوليوود. تُعتبر دوروثي تومسون أبرز مثال على هذا التوجه، فقد أبعدت نفسها عن ما تسمّيه كوهين "أسلوب النقد في المقابلات" بعد نفيها من ألمانيا النازية مباشرةً.

انتقلت تومسون من عملها كمراسلة إلى التعليق على الأحداث، وأصبحت ناقدة عالمية معروفة بقدر فريد زكريا أو آن أبلبوم اليوم. ثم حصدت مكافآت كبرى بعد ترك التحقيقات الصحافية والانتقال إلى التحليلات الذاتية، ويقال إنها كانت تكسب حوالى 1.8 مليون دولار سنوياً في أواخر الثلاثينات. ترك أصدقاؤها مجال عملهم في نهاية المطاف أيضاً. استقال جون غانثر من عمله اليومي بعد طرحه كتاب Inside Europe (داخل أوروبا)، وعمل هو وفرانسيس في كتابة السيناريوات كهواية جانبية، ومن المعروف أن هذا العمل يدرّ الأرباح، سابقاً وحاضراً، أكثر من معظم المهن الصحافية.

كـــــريـــــثـــــيـــــكـــــا فـــــاراغــــــور

كان أي شخص بمواصفات جون غانثر ليُحقق النجاح اليوم أيضاً. لكسب الشهرة في مجال تغطية الأحداث الخارجية، يمكن أن تلقى المقالات ترحيباً أوسع إذا ترافقت مع "وجهة نظر ملوّنة وغير متوقعة" بدل أن تكون مجرّد انتقاد مباشر للنظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة. حين كنتُ أعمل في أندونيسيا وأنا في بداية العشرينات من عمري، أدركتُ أن أفضل طريقة لكتابة مقالات ناجحة عن بلد معيّن تقضي بتقليد المقالات التي نشرها مراسلون أجانب آخرون من المكان نفسه.

لهذا السبب، قررتُ في بداية مسيرتي المهنية أن أفسّر التطورات السياسية وكأنها استفتاء حول الديمقراطية الليبرالية على الطريقة الغربية. تعلّمتُ مثلاً أن أكرر الفكرة القائلة إن الحوادث التي أغطّيها تعكس بطريقة ما "المؤسسات العلمانية الهشة" في أندونيسيا. لقد احتجتُ إلى سنوات عدة قبل أن أبدأ التشكيك بأبسط الفرضيات الكامنة وراء العقائد التي تقبّلتُها باعتباري صحافية أميركية مجتهدة ومرحة في الخارج.

لكن حتى الدروس التي تعلّمتُها بأصعب الطرق قد تصبح بالية في أحد الأيام. نحن لم نعد نعيش في القرن الأميركي بل في عالمٍ ناشئ ومتعدد الأقطاب، ولن تبقى القصص الملوّنة والأحداث المفصّلة بديلة عن التفكير الشاق بالأهداف التي يُفترض أن تحملها مختلف الشعوب والأوطان والمجتمعات في العالم المعاصر. لا يطرح كتاب كوهين خطة واضحة لتطوير هذا النوع من القناعات. لم يُجدّد المراسلون المذكورون في هذا الكتاب أسلوبهم في كتابة التحقيقات الصحافية على مر مسيرتهم المهنية. حافظ شيان مثلاً على سمعة محترمة مع التقدم في السن، وتوفيت تومسون التي كانت "تبالغ في الشرب وتدخّن خمسين سيجارة يومياً" عن عمر 67 عاماً. أما جون غانثر، فقد وجد عملاً مربحاً له في هوليوود، وتزوج للمرة الثانية، وباع أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون كتاب قبل وفاته. اليوم، لا تُعتبر أيٌّ من تحقيقاته الواسعة من أبرز الأعمال التي يتذكرها الناس، بل إنه مشهور بالمذكرات المؤثرة، Death Be Not Proud (لا تفتخر بنفسك أيها الموت)، عن موت ابنه جوني بعمر السابعة عشرة بعد إصابته بورم دماغي خبيث. كان هذا الكتاب مثيراً للجدل لكنه لاقى رواجاً واسعاً، وقد ساهم في ابتكار نوع فرعي جديد في عالم الأدب الأميركي باعتباره من أوائل المذكرات التي تروي تجارب مَرَضية تنتهي بالموت. كان غانثر يبلغ 47 عاماً عند نشر هذا الكتاب، لكنه لم يجد الاندفاع الكافي لاحقاً لطرح نظريات عميقة حول العالم بعد خوضه سلسلة من المغامرات الشخصية. على غرار ما يحصل مع معظم الأميركيين، لم يكن موضوعه النهائي يتعلق بالعالم إذاً بل بحياته الخاصة.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.