إرتبط عصر الأنوار في أذهاننا بأسماء بعض الفلاسفة الفرنسيين ومنهم، على سبيل المثال، فولتير ودُوني ديدرو وجان جاك روسّو، الذين عُرفوا بأفكارهم الثوريّة وتطلّعاتهم الجديدة. المفكّر الفرنسي لْوي كلود دُو سان مارتان (1743- 1803)، المعروف تحت اسم "الفيلسوف المجهول"، بقيَ في الظلّ على الرغم من كونه شخصيّة محوريّة في عصر التنوير في أوروبا. من مؤلّفاته: "إنسان الرغبة" و"وزارة الإنسان الروح".
في العام 2000، صدرت عن منشورات "غاليمار" الفرنسيّة رواية بعنوان "رغبة" للكاتب الفرنسي المعروف فيليب سولرز، وهي تتمحور حول الفيلسوف المجهول في جولة يتداخل فيها الواقع والمتخيّل، وتبدأ من القرن الثامن عشر وصولاً إلى أيّامنا هذه. من خلال هذه الجولة يتوقّف الكاتب عند محطّات أساسيّة في حياة الفيلسوف وأفكاره. كما يتناول الثورة الفرنسيّة وموضوعات كثيرة أخرى، قديمة وحديثة.
لكن، ما استوقفني في كتاب "رغبة" لفيليب سولرز، وما دفعني إلى إعادة قراءته في الآونة الأخيرة، هو أنّه يختصر موقفه من النساء من خلال نظرة مجتزأة تتّسم بالتعميم والسخرية، وتعبّر عن امتعاضه من مبادراتهنّ غير المسبوقة، مع تحرّر خطاب المرأة وصعود الحركات النسائيّة في الغرب وتَمَكّنها من تسديد ضربات موجعة للمجتمع الذكوري الذي استباح المرأة، ولا يزال يستبيحها، وإن بنسب متفاوتة، هنا وهنالك في العالم.
هكذا يتّضح، منذ الصفحات الأولى للكتاب، أنّ هاجس سولرز الأساسي لا ينحصر فقط في الإضاءة على الفيلسوف التنويري المجهول وتغلغله في الأزمنة والأمكنة، وإنّما يتجاوزه أيضاً لطرح موضوع المرأة من زاوية ذكوريّة قلّما شهدها الأدب المعاصر، شرقاً وغرباً. ويتبدّى من كلامه كأنّ موضوع العنف الجنسي، بجوانبه المختلفة، هو الموضوع المهيمن على العالم اليوم وليس أحد المواضيع المهمّة التي لا بدّ من مواجهتها. فيتحدّث عن تقديم شكاوى بخصوص "اعتداءات جنسيّة قديمة جدّاً وتتشعّب في جميع الاتجاهات"، و"تتحرّك داخل مكاتب الشركات، والخدمات العامّة، والأوساط السياسيّة والسينمائيّة"، منتقداً، بشكل كاريكاتوريّ أحياناً، الحركات النسائيّة المناهضة للتمييز ضدّ النساء والاعتداء عليهنّ، وفي مقدّمها حركة "مِي تُو" (أنا أيضاً) التي كشفت عن مدى انتشار "طبيعة السلوك المزدري للمرأة". وأدّت هذه التحرّكات إلى سقوط عروش في مجالات مختلفة، ودفعت إلى الاستقالة من وظائفهم مشاهير متّهمين بالاعتداء الجنسي، ومنهم منتج أفلام هوليوود هارفي واينستين، والكاتب الفرنسي البيدوفيلي غبريال ماتزنيف الذي كان يتغنّى بالبيدوفيليا في كتبه، وسط صمت هائل ومتواطئ من قسم كبير من الأوساط الثقافيّة الفرنسيّة ومن دور نشر عريقة وزّعت أعماله خلال عقود من الزمن، بصفتها أعمالاً أدبيّة عاديّة لا يجرؤ أحد على انتقادها.
فيليب سولرز ضاق ذرعاً بهذا الواقع المستجدّ، وعبّر عن خوفه من اهتزاز المجتمع الأبوي البطريركي، مبدياً خشيته من ولادة عالم جديد سمّاه "العالم المضادّ للرغبة". بالنسبة إليه، ما يحصل في الواقع هو جزء من تاريخ العلاقة بين المرأة والرجل، وعلى المرأة أن تتقبّله. وإذا فعلت عكس ذلك، فهي وفق ما جاء في كتابه، تخضع لمشيئة "المثُل النسويّــــة الصاعــدة"، وتقف ضدّ الرغبة وتعمل على إخصاء الذكور.
من الحركات النسائيّة التي تغيظ سولرز أيضآً، حركة "فيمن" التي تهدف إلى حماية حقوق المرأة، وهو يختصرها بكلمات تهكّميّة ساخرة: "في الباب المجاور للجحيم، يَهيم الآن ظلُّ ناشطة شجاعة في حركة "فيمن" أبانت ثدييها مئات المرّات أمام رجال شرطة مذهولين. لكنّها في نهاية الأمر، تركت منظّمتها الثوريّة وانكبّت على إنجاز رسومات شبه دينيّة، ثمّ شنَقَت نفسها". ودعماً لوجهة نظره المتعلّقة بالمرأة، يلجأ الكاتب إلى الأرقام غير المنسوبة إلى مرجع موضوعي: "بفضل زوابع الشكاوى، تعي البشريّة أخيراً أنّ ثمانين في المئة من النساء لا يعنيهنّ الجنس بتاتاً، وغالباً ما يُجبَرنَ على القبول به لأسباب ترتبط بتأثير السلطة أو النفوذ". ولم يتوقّف سولرز لحظة واحدة في كتابه عن رمي السهام ضدّ المرأة التي كسرت الصمت وتخلّصت من سلاسل الخوف والاختباء من الفضيحة، بل هي رمت الفضيحة في وجه المعتدين عليها.
في كانون الثاني/ يناير من العام 1977، نُشرَ بيان يدافع عن العلاقات الجنسيّة بين البالغين والأطفال في صحيفَتَي "لوموند" و"ليبيراسيون". البيان كتبه غابريال ماتزنيف الذي أتينا على ذكره، ووقّعه عدد من الكتّاب والمثقّفين المعروفين، ومن بينهم فيليب سولرز.