المفكر الفرنسي الشهير Antoine Saint Exupery يرى ان بالامكان الحكم على مجتمع معين من التعابير الدارجة التي يستعملها افراده (ومسؤولوه بالطبع) في يومياتهم. فتوافق هذه التعابير مع معانيها اللغوية يعني الانسجام مع الذات. اما الانحراف بين المعنيين الدارج واللغوي فهو دليل على وجود سعي مقصود لتمويه الحقيقة. اما التناقض بين المعنيين فيعني وجود نفاق.
قبل عدة ايام اثار كلام صدر عن نائب رئيس مجلس الوزراء السيد سعادة الشامي، خلال برنامج تلفزيوني بثته قناة «الجديد» تعليقات وانتقادات واسعة ومتنوعة. فقد ذكر فيه ان «الدولة مفلسة وكذلك مصرف لبنان وللأسف الخسارة وقعت». و»أن تلك الخسائر ستوزع على الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين والدولة ستسعى إلى تقليل الخسائر عن الناس».
لاحقاً استلحق السيد شامي الامور تحت وطأة الضغوطات التي تعرض لها بسبب اقواله بالايضاح للـ» OTV» وللـ»النهار» بان كلامه عن «الافلاس» مجتزأ من سياقه. وان ما من مسؤول قادر على اعلان «افلاس الدولة»، كما ان التصريح ليس تمهيداً لاعلان إفلاس رسمي من قبل المرجعيات المعنية، وان الخسارة التي وقعت هي بسبب سياسات لعقود، وانه اذا لم يتم فعل شيء فستكون الخسارة أكبر بكثير.
كلام أثار الهلع
كلام السيد شامي أثار هلع المواطنين العاديين من المستقبل، وعلى الاخص المودعين من فقدانهم لمدخراتهم وجنى العمر. ولم يخفف من وطأة الامور كلام حاكم مصرف لبنان من ان الامر مجرد «خسارة» تتم معالجتها من ضمن خطة التعافي التي تعمل الحكومة على اعتمادها. فالاخير ردد على مسمعهم لأكثر من عقدين ونصف بان الليرة بخير، وبأن ودائعهم في حرز امين لدى قطاع مصرفي رائد في المنطقة ان لم يكن في العالم، وأتت الازمة فاظهرت انه كانت هناك مبالغة في توصيف الامور.
توضيح ميقاتي لم ينفع
ايضاً لم ينفع في تهدئة الخواطر تصريح رئيس الحكومة الذي حاول ان يعطي لكلام نائبه بعداً علمياً. فقال ان الاخير قصد من كلامه عن الافلاس بان «الازمة هي ازمة سيولة لا ملاءة». اي ان الدولة والمصرف المركزي يعانيان من نقص في الاموال بسداد التزاماتهما. لكن الاصول التي يملكانها تغطي كافة التزاماتهما وتفيض. وهو ايضاً كلام غير صحيح بدليل ان مشروعه لقانون الضوابط الاستثنائية والموَقتة (الكابيتال كونترول) يتضمن تشريعاً لانواع عدة من وسائل تذويب الودائع من «لولرة» و»ليلرة» و»هيركات»، وكلها امور تتناقض مع مقولة ان موارد الدولة تغطي التزاماتها.
تعريف الافلاس
قانوناً يعرف الإفلاس المجرد من اي وصف ملحق به بالـ faillite. وهو واقع تستنفد فيه ديون الشخص أمواله، فيعجز عن تأديتها دون ان يكون هناك اي انحراف مسبق مقصود او غير مقصود في ادارة الامور. اما اذا كان هناك تقصير في الادارة من نوع التبذير في المصاريف واخفاء العجز وغيره... فالافلاس يكون هنا «تقصيرياً». واذا كان هناك استعمال للتمويه والحيل في التغطية، فان الافلاس يكون عندها «احتيالياً» ويعاقب المفلس جزائياً في الحالتين الاخيريتين وتسميتهما بالفرنسية banqueroute وفي الانكليزية bankruptcy.
خطورة كلام الشامي في 3 محاور لا لبس فيها
1 - وعليه فان الخطورة في كلام السيد شامي هي باشارته الى ان الافلاس يشمل الدولة والمصرف المركزي، وهو امر لم يحصل مثيل له في التاريخ الحديث الا في حالات لا يتعدى عددها اصابع اليد الواحدة، اشهرها حالة المانيا بعد سقوط النازية حيث ذكر المستشار Konrad Adenauer في عرضه الموجز عن وضع بلده في اول اجتماع لحكومة اعادة الاعمار، بان لا اونصة ذهب واحدة ولا اي عملة اجنبية في خزينة الدولة...
2 - الخطورة الثانية في كلام السيد شامي اعتباره افلاس الدولة والمصرف المركزي من النوع المجرد غير الملحق بأي وصف. اي انه من صنف الـ faillite والـ failure وليس من صنف الـ Bankruptcy والـ banqueroute، اي انه حصل من دون اي انحراف مسبق مقصود او غير مقصود في ادارة الامور. خلاصة في منتهى الخطورة، لانها تعلن من قبل مسؤول سياسي رفيع عضو في الفريق اللبناني المفاوض مع ممثلي ادارة صندوق النقد الدولي، دون ان تكون مسندة الى اي تحقيق نيابي او قضائي مثبت لها وكان يفترض اجراؤهما منذ اندلاع الازمة.
3 - والخطورة الثالثة والاخيرة ان النتيجة المترتبة من الخلاصة التي انتهى اليها السيد شامي والتي اعلنها صراحة وهي اعتماد مبدأ توزيع الخسائر على المعنيين بها: الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين وفقاً لمراكز القوى. كما لو ان الافلاس الذي حصل هو نتيجة عامل خارجي مثل بركان فيضان هزة ارضية وغيره... في حين ان الامر يقضي بخلاف ذلك بتوزيع الخسائر وفقاً للمسؤولية القانونية المترتبة على شريحة واسعة من المرتكبين من السياسيين والمسؤولين المصرفيين تنظيماً وادارة ورقابة، وايضاً من الفنيين كمفوضي المراقبة وغيرهم... كما وهيئات ومؤسسات المرتكبين السابقين. لقد انتهجت ايسلندا النهج الاخير اي البدء بمساءلة المرتكبين فكانت الاولى من الدول الاوروبية، ليس فقط في الخروج من الازمة المالية التي عصفت بها باقل تكلفة على مواطنيها، بل ايضاً باستعادة مركز مالي مرموق على الصعيد المالي العالمي، بعد اثباتها للجميع بانها المكان الذي يساءل فيه كل من يخرج عن الطريق السوي في ادارة الاموال التي تعهد اليه شؤون ادارتها.
لا شيء يضيع او يخلق
يقول الفيزيائي الفرنسي Antoine de Lavoisier ان لا شيء يضيع او يخلق الكل يتحول
Rien ne se perd rien ne se crée tout se transforme ذات الامر في المال. فالودائع لا يمكن ان تضيع او تتبخر كما يحاول ان يشير الى ذلك السيد شامي. بل ما حصل لا يعدو كونه تحويلاً لها بنقلها من يد الى يد او من مكان لآخر، المهم اتخاذ القرار الصائب باطلاق حملة تعقب فاعلة لمآلها ولا يتم هذا الامر بنجاح الا بايلائه الى اشخاص اكفاء ومنزهين.
خاتمة
من هنا سيد سعادة الشامي لطفاً: دع كلمتكم تداوي الجراح لا ان تتسبب بتعميقها وبالمزيد منها
Penser les mots pour panser les maux
والسبيل الى ذلك واضح ويقضي بتسمية الامور بأسمائها، لان عدم فعل ذلك سيكون مدعاة لاضافة البؤس الى العالم على حد قول المفكر الفرنسي Albert Camus
.Mal nommer les choses c’est ajouter de la misère au monde