منير يونس

المقدسي: الدولة هي المسؤولة الأولى عن الخسائر

9 دقائق للقراءة
سمير المقدسي

يؤكد الأستاذ الجامعي والوزير السابق الدكتور سمير المقدسي أنه يجب عدم تحميل المودعين خسائر، لأن المسؤولية الأولى برأيه تقع على عاتق الدولة التي انفلشت في الانفاق، ولم تعالج تفاقم عجز الموازنة. وفي الدرجة الثانية تأتي المسؤولية على مصرف لبنان الذي لم يمارس استقلاليته كما يجب. والمسؤولية الثالثة على المصارف التي أخطأت في الاستجابة لطلبات البنك المركزي وطمعت بالربح الكثير.

ويضيف المقدسي في حوار مع « نداء الوطن: ما حصل ان مصرف لبنان صرف بالدولار نيابة عن الدولة ولو بطريقة غير مباشرة. ويحذر من ليلرة الودائع الدولارية، أي ردها بالليرة اللبنانية، فمن شأن ذلك العبث بالثقة، فالمودع والمستثمر لن يثق بعد ذلك بايداع أمواله في لبنان. ويوضح انه يمكن قبول قول الحكومة للمودعين ان لا امكانية للدفع الآن، لكن عليهم الالتزام بالدفع في غضون سنوات محددة من خلال جدولة منظمة. ويسأل: ما الجدوى من الاتفاق مع صندوق النقد اذا لم يشكل ذلك الاتفاق بداية نهضة تبدأ بإعادة الثقة بلبنان واقتصاده بعد نزع فتيل الخوف الموجود حالياً. وفي ما يلي نص الحوار:



كيف قرأت تصريح نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي عن إفلاس الدولة ومصرف لبنان؟

اعتقد أنه كان يتوجه للمودعين، ربما ليقول لهم «قد تتحملون أكبر نسبة من التكلفة، فلا تعتبوا علينا لأن مصرف لبنان والدولة لم يعودا يملكان الكثير». هذا هو تفسيري وقد أكون مخطئاً.

على أي حال، يبقى السؤال هو: ماذا يعني تحميل المودعين جزءاً من الخسائر، كيف ذلك؟ وبأي طريقة؟ ما رأيته من طرح يتفاوضون بشأنه مع صندوق النقد الدولي على صعيد الكابيتال كونترول هو أن سقف السحب الشهري للمودع هو ربما ألف دولار فقط. وما لفت نظري أن مشروع قانون الكابيتال كونترول لا يتحدث عن تحويل ودائع العملات الأجنبية الى ليرات لبنانية، بخلاف ما كان متداولاً سابقاً. اذا كان ذلك صحيحاً، فانه يعد خطوة إيجابية الى حد ما.

باعتقادي من الخطأ أن نقول للمقيمين وغير المقيمين من لبنانيين وغير لبنانيين ممن لديهم ودائع أن «دولاراتهم تبخرت». لا يجوز ذلك مطلقاً بالنسبة لمستقبل أي كان يرغب في إيداع امواله في لبنان.


لدينا نحو 100 مليار دولار من الودائع التي بات واضحاً أنها لم تعد موجودة. كيف يمكن إعادة تكوينها؟


لا بد من جدولة الدين. صحيح أنه لا يمكن الدفع حالياً، لكن إذا وقع لبنان مع صندوق النقد اتفاقاً وحصل على قرض بعدة مليارات، تضاف إليها لاحقاً عدة مليارات أخرى من جهات مختلفة... سيشكل ذلك قوة دفع للاقتصاد. رويداً رويداً نعيد الثقة خصوصاً مع إعادة مدروسة جيداً وسليمة لهيكلة المصارف توقف الهجمة على السحوبات.

يمكن قبول قول الحكومة للمودعين ان لا امكانية للدفع الآن، لكن عليهم الالتزام بالدفع في غضون سنوات محددة من خلال جدولة منظمة. ثم أسأل: ما الجدوى من الاتفاق مع صندوق النقد اذا لم يشكل ذلك الاتفاق بداية نهضة تبدأ باعادة الثقة بلبنان واقتصاده بعد نزع فتيل الخوف الموجود حالياً.

أما إذا أصروا على تحويل الدولارات الى ليرات لبنانية في ما بات يسمى «الليلرة» فان المودع اللبناني وغير اللبناني سيسأل نفسه لماذا أضع أموالي في لبنان؟ الخليجي سيسأل لماذا سيضع امواله في لبنان، هل ليحولوها الى ليرة؟

يجب ان يبقى الهدف هو السماح بالإيداع المصرفي بالعملات الاجنبية (حتى لو لم يكن مسموحاً لها بالتداول حالياً) في اقتصاد منفتح ونظام مصرفي متطور. وذلك يشكل ملاذاً أو ملجاً للأموال. أما اذا اجبرنا المودعين على قبول الليلرة، فمن المرجح ألا يحظى لبنان بعد اليوم بأي ايداع بالعملات الأجنبية.

ان الليلرة تشكل سابقة على هذا الصعيد وتقطع مع تقليد عمره 76 سنة في نظام صرف حر للعملات الأجنبية في لبنان. حتى لو عادوا لاحقاً الى ما كان سابقاً، لكنهم يؤسسون لسابقة لا تدعو الى الاطمئنان اذ انها قد تعاد لاحقاً. لذا فان تحويل الودائع الدولارية الى ليرة لا يجب تركه يمر مرور الكرام.


ما رأيك بالهيركات (او الاقتطاع القسري) من الودائع ؟


لا استحسنه. لكن اذا كان لا بد منه، فليكن قليلاً ومن دون التوسع في هذا الخيار. ربما كان مقبولاً الحديث عن هيركات على الفوائد التي سجلت لا سيما على الودائع في السنوات الخمس الأخيرة.


يحكى أيضاً عن هيركات على الدولارات التي كانت تحولت من الليرة بعد 2019... فما رأيك؟


كيف يمكن تحقيق ذلك خصوصاً اذا كانت تلك الدولارات قد خرجت من لبنان؟ الى ذلك، هناك تفرقة من دون وجه حق في التمييز بين الودائع لا سيما بعدما قيل لاصحاب الودائع قبل 17 تشرين 2019 انها لم تعد قابلة للسحب والتحويل، ثم سمحوا بعد ذلك التاريخ بتحويل ليرات الى دولارات.

ان فلسفة خلق دولارين التي اعتمدتها السلطات النقدية لا اساس علمياً ومالياً لها، ولا يجوز التمييز بين دولارات ما قبل 17 تشرين وتلك التي تكونت بعد ذلك التاريخ. مع هكذا بدعة كيف يمكن تطمين من سيأتي بدولارات جديدة ان يضعها كودائع في مصارف لبنان؟





هناك ما يسمى حسابات الفريش دولار... ألا يبعث ذلك على الاطمئنان؟

ليست المسألة عبارة عن حسابات، بل هي قصة ثقة. اذا حول احدهم لك الآن 5 آلاف دولار من الخارج فانك ستسرع لسحبها فوراً بسبب انعدام الثقة.


كيف نعيد الثقة في هذه الحالة؟


نعيدها باعادة تأكيد ان كل الودائع قبل 17 تشرين 2019 هي ودائع مضمونة على مدى عدة سنوات حتى لو لم تكن قابلة للسحب او الدفع حالياً، لكنها مضمونة. ولا يجوز ان نقول للمودعين ان دولاراتهم غير موجودة او انها اصبحت بالعملة اللبنانية. اما اذا اصروا على انها غير موجودة وستتحول الى ليرة فان لا ثقة بعد الآن بالنسبة للمستثمر او المودع الراغب بإدخال دولارات الى لبنان. يجب الإقلاع عن نظرية خلق دولارين.


ما رأيك بتحميل المصارف الجزء الأكبر من المسؤولية؟

أخطأت المصارف في الاستجابة لطلبات البنك المركزي، لا سيما المبالغة في تراكم شهادات الإيداع المصرفية في مصرف لبنان.


هل كان لديها خيارات أخرى خلاف ذلك؟

لم يكن هناك من داع لأرباح بالمليارات، مئات الملايين من الأرباح كانت تكفي، لكنهم طمعوا بالربح الكبير. سألت أحد المصرفيين يوماً عن سبب دخولهم في هذه اللعبة، فكان جوابه ان الأمر كان مدفوعاً بحرب الفوائد بين البنوك. ما يعني انهم تسابقوا لدخول اللعبة، والا يخرج من السوق من لا يريد السباق على اجتذاب الودائع.

ثم انهم اخطأوا كقطاع مصرفي في تمويل مصرف لبنان بأحجام كبيرة، لأن مصرف لبنان كان يموّل عجز الموازنة الكبير والمتفاقم سنة بعد سنة.



هل تعتبر أن المصرفيين بين مساهمين وأعضاء مجلس ادارة وكبار تنفيذيين مسؤولون حتى بأموالهم الشخصية؟

المسألة ليست شخصية. السؤال الصحيح هو ما اذا كانوا مخطئين قانونياً بغض النظر عن سياستهم النقدية الخاطئة في التعامل مع المصرف المركزي. بنظري لا يجوز التفريق بين مودع ومودع. انا مع فرض ضرائب تصاعدية على الأرباح التي تحققت سواء على أرباح المصارف او على فوائد أصحاب الودائع الكبيرة التي استفادت اكثر من غيرها. ويمكن تطبيق ضريبة تصاعدية في هذا المجال.


ما رأيك بقول ان الدولة لم تقترض بالدولار من مصرف لبنان؟

ما حصل ان مصرف لبنان صرف بالدولار نيابة عن الدولة، ومصرف لبنان هو قطاع عام في نهاية الأمر. اذا كان صرف دولارات فانه صرفها نيابة عن الدولة ولو بطريقة غير مباشرة.



هل يعني انك ممن يعتبرون ان الدولة مسؤولة أولى؟

ما من أدنى شك في ذلك، الدولة هي المسؤول الأول. لنكن أكثر وضوحاً ودقةً فان المسؤولية تقع على هذه الطبقة السياسية التي سمحت بتفاقم العجز منذ 1993 الى 2022.

حصل في البداية انفلاش في الانفاق على أمل تدبر الأمر لاحقاً، مع العين على جذب أموال من دول الخليج ومن مناطق ودول اخرى حول العالم، وراودت البعض فكرة تحويل بيروت الى هونغ كونغ.

توسعت الحكومات المتعاقبة في زيادة الانفاق من دون وضع سقف للعجز. لذا السؤال الذي يطرح نفسه هو: من المسؤول الأول عن أصل البلاء؟ الجواب هو الانفلاش الحكومي في النفقات.

المسؤولية الثانية تقع على البنك المركزي لانه لم يستخدم استقلاليته ليقول بحزم انه لا يستطيع التوسع في تمويل الدولة. هو أيضاً انفلش في تلبية طلبات الحكومة المتصاعدة. المسؤولية الثالثة تقع على المصارف التي أقرضت الدولة ومصرف لبنان. لم تعتمد المعايير المصرفية التي تلجم الاندفاع نحو تمويل جهة واحدة بأحجام كبيرة... ولا علاقة للمودعين في كل ذلك.


لكن المودع ركب المخاطر ايضاً ولهث وراء الفوائد المغرية...أوَليس مسؤولاً؟

الذنب ليس ذنبه خصوصاً انه كان دائماً هناك من يطمئنه طوال الوقت الى ثبات الوضعين المصرفي والنقدي. 95% أو أكثر من المودعين لم يكونوا على علم بما يجري.


هل هناك من أمل في إصلاح اقتصادي ومالي ومصرفي اذا اعيد انتخاب نفس منظومة الأحزاب الحاكمة؟


هناك أمل شبه وحيد تحت شرط معين: تسليم الادارة الاقتصادية والمالية في البلاد الى مجموعة من خارج المنظومة. مجموعة خبراء مع فهم سياسي لما يجري من حولهم. لكن عليهم ان يكونوا مستقلين.


هل تقبل هذه المنظومة بهذا الطرح؟

لا اعتقد، أو لنقل ان الأمل ليس كبيراً اذا اعيد انتخاب نفس المنظومة المصرة على الحكم بطريقتها. الأمل ممكن تحت الضغط الشعبي والدولي على اساس ان لبنان لم يعد يحتمل كوارث لا سيما اجتماعياً. هكذا ضغط يمكن إجبارهم على الاصلاحات المطلوبة. وأضيف الى الضغط الشعبي ضغط المثقفين والاعلاميين...


لكن احزاب المنظومة تعيش الإنكار... ألا تعتقد ذلك؟

لا اعتقد ذلك، بل يعلمون حجم المشكلة، لكنهم لا يريدون الاعتراف بالمسؤولية عما حصل من انهيار.


هل انت خائف من التضخم المفرط؟
نحن الآن في التضخم المفرط الذي على السلطات ان تلجمه.


هل انت مع التصرف بالذهب؟
لا، اذا كان الهدف من تسييله نسيله لاسخدام أمواله في الانفاق الجاري. أما استخدام الذهب في الانفاق الاستثماري فهذا موضوع تم بحثه ايام حكومة الرئيس سليم الحص. مثل الحصول على عوائد 4 او 5 % اي ما يعادل مليار دولار سنويا يمكن استخدامه بشروط قاسية جداً، مع البقاء على الأصل من دون بيع. هذه امكانية متاحة لكن السؤال هو من سيستخدمها ويديرها وكيف سيديرها. لا مجال الا لتسليم ذلك لأشخاص موثوقين، وهذا ينطبق على الأصول العامة الأخرى.