حيث كان المطران غريغوار حداد يكون جيروم شاهين الكاهن والمفكر والثائر والأكاديمي. معاً أطلقا مجلة "آفاق" ذات البعد العلماني العربي التي أسسها المفكر بولس الخوري مطلع العام 1974، ومع صدور العدد السادس طفح قلب كنيسة الروم الكاثوليك من مقالات حداد الست، فتمّ عزله، لسنوات وفي تلك الفترة خلع الكاهن جيروم شاهين، الحائز إجازة في اللاهوت، ثوب الكهنوت من دون أن يتخلّى عن إيمانه. مال إلى اليسار ولم يلحد.
لاقى الكاهن جيروم شاهين "المطران الأحمر" في الموقف الفكري المتقدم، وتخطى الإثنان، ومن معهما، موقف الكنيسة المحافظ، كما يقول سام منسى، و"هذا ما لم تستسغه المرجعية الكنسية في لبنان". ويمثل حداد، برأي منسّى، في مساراته، البعد الوطني المسيحي، وقد خاض "تجربة فكرية تحررية ضمن الكنيسة/المؤسسة، جرى إجهاضها للأسف".
جيروم شاهين، كان في صلب الفكر الإصلاحي الذي أرساه المطران حداد ومعه نخبة ضمت الأب ميشال سبع (بينه وبين شاهين صلة قرابة) ونقولا سركيس وجوزف ولور مغيزل وغيرهم.
إلى اللاهوت، حمل شاهين شهادات عليا في الفلسفة والعلوم الإجتماعية والعلوم الإنسانية وعمل بين العامين 1978 و1979 في "معهد الإنماء العربي" في بيروت. إلا أنّه عاد إلى فرنسا من جديد ليكتب في صحيفة "لو موند" ثم في مجلة "كل العرب" في ثمانينات القرن الماضي. كتب وحاضر في مواضيع عدة وأبرز مؤلفاته "العلمنة عند الكتّاب المسيحيين في عصر النهضة العربية (1860-1975): علاقتها بالغرب ومشروعها الاجتماعي"، وقد صوّب في محاضرات ومقابلات عدة مفاهيم ملتبسة حول العلمانية: "فالقول مثلاً إن المسيحية تفصل ما بين الدين والدنيا يعني أن المسيحية لم تشرّع لتفصيلات الأمور الدنيويّة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية… لكنّ القول هذا لا يعني أن المسيحية ليس لها حكم على ما هو دنيويّ، وبالتالي ليس صحيحاً أن المسيحية قد تقبل بكل النظم الاجتماعية".
ثقافته الهائلة، لم تنل من تواضعه ودماثته. علّم في غير جامعة، وكان إن سُئل في موضوع لا يمتلك عنه إجابة أكيدة، يتمهّل الطالب السائل ليوم أو ليومين، ويعود المثقل بالمعرفة إلى طالبه منجزاً فرضه كباحث يسمع كثيراً ويطرق صامتاً منصتاً حين يتكلّم طلّابه.
بعد 7 سنوات على رحيل غريغوار حداد، عاد الدكتور جيروم شاهين للإنضمام إلى حلقة "المطران" الضيقة بعدما أتم 81 سنة على الأرض.