روبي غرامر

الإستعراض العسكري جزء من لعبة بوتين المقبلة

9 أيار 2022

المصدر: Foreign Policy

02 : 05

طائرات مقاتلة من طراز MiG-29 تحلق فوق وسط موسكو يوم النصر
تحتفل روسيا اليوم بالذكرى السابعة والسبعين لانتهاء الحرب العالمية الثانية، كما تفعل سنوياً، فتجول المسيرات العسكرية في أنحاء البلد، وتُنظَّم أكبر مسيرة في "الميدان الأحمر" في موسكو. لكن يتوقع المسؤولون الأوكرانيون والغربيون هذه السنة أن يستغل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذا اليوم المشحون بالحماسة الوطنية لتصعيد الحرب في أوكرانيا.

يحذر المسؤولون الغربيون منذ أسابيع من خضوع موسكو لضغوط ذاتية بهدف تحقيق فوز معيّن للإعلان عنه في "يوم النصر"، بعدما تعثرت الحملة الروسية القائمة منذ عشرة أسابيع في أوكرانيا ولم تُحقق أهداف الكرملين الأولية التي تقضي بالاستيلاء على كييف سريعاً. اكتسب بوتين معظم سلطته بناءً على تجارب الاتحاد السوفياتي خلال الحرب العالمية الثانية (تُسمّى في روسيا "الحرب الوطنية العظمى") ورسم هوية روسيا انطلاقاً من تلك التجارب أيضاً. حتى أنه اعتبر الحرب في أوكرانيا فصلاً جديداً من المعركة ضد الفاشية، بناءً على أكاذيب فاضحة مفادها أن أوكرانيا يحكمها النازيون الخاضعون للغرب وتحتاج إلى من يحررها. (بين العامين 1939 و1941، كان الاتحاد السوفياتي متواطئاً مع ألمانيا النازية ويمدّها بالنفط والحبوب والأسلحة حتى يوم الغزو الألماني).

لكن يبدو أن البلد "تحرّر" مقابل خسائر بشرية مريعة، فقد أسفرت العمليات الهجومية التي أطلقها الجيش الروسي بحجّة "اجتثاث النازية" عن مقتل آلاف المدنيين الأوكرانيين وأجبرت الملايين على مغادرة منازلهم.

في غضون ذلك، يترافق إصرار موسكو على ذكر الحرب العالمية الثانية وادعاء محاربتها للنازية مع نتائج عكسية على الساحة الدولية مجدداً، فقد ارتكبت القوات الروسية أعمالاً وحشية جماعية ضد المدنيين الأوكرانيين وقصفت مناطق بالقرب من مواقع تستذكر محرقة اليهود. كذلك أثار وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، استياء إسرائيل ودول غربية أخرى حين أعلن أن أدولف هتلر كان يحمل "دماً يهودياً"، وهو ادعاء خاطئ، وزَعَم أن "أشرس المعادين للسامية هم من اليهود في العادة". كانت هذه التعليقات تهدف إلى تبرير حملة "اجتثاث النازية" التي أطلقتها روسيا ضد بلدٍ يرأسه فولوديمير زيلينسكي اليهودي. (تفيد التقارير بأن بوتين أصدر اعتذاراً نادراً من رئيس الوزراء نفتالي بينيت لاحقاً على خلفية هذه التعليقات).

لكن رغم حجم الخسائر البشرية في المعسكرَين الأوكراني والروسي، أصرّ الكرملين على إقامة مقارنات تاريخية مع الحرب العالمية الثانية لتبرير غزو أوكرانيا. هو يستعمل شعاراً اكتسب زخماً قوياً منذ أول غزو روسي لشرق أوكرانيا في العام 2014: "يمكننا فعلها مجدداً".

يقول تيموثي فراي، محلل للسياسات الخارجية بعد الحقبة السوفياتية في جامعة كولومبيا: "يستفيد بوتين بشدة من التلاعب بالمشاعر القومية، ويجيد الكرملين استعمال هذه الأحداث بطريقة استعراضية. على المدى القصير، من المتوقع أن تستمر حملة تأجيج المشاعر القومية بعد 9 أيار".

تحمل ذكرى 9 أيار أهمية مفرطة في روسيا. خسر الاتحاد السوفياتي حوالى 24 مليون شخص خلال الحرب العالمية الثانية، وفق معظم التقديرات، ويُعتبر الاحترام لمن لقوا حتفهم وخدموا في الجيش الأحمر السوفياتي جزءاً راسخاً من الثقافة المحلية وعاملاً محورياً من الهوية الوطنية الروسية. تتوسط النصب التي تستذكر الحرب معظم المدن الروسية، وغالباً ما تشكّل خلفية لصور الأعراس التي يلتقطها الأزواج الجدد في روسيا.

تقول جايد ماكغلين، محللة للدراسات الروسية في "معهد ميدلبري للدراسات الدولية" ومؤلفة الكتاب المرتقب The Kremlin’s Memory Makers (صنّاع ذاكرة الكرملين): "لقد أصبح الاحتفال في عهد بوتين مسيّساً على نحو متزايد. تكمن المفارقة في اتخاذ هذه الظاهرة منحىً شخصياً وعاطفياً وقوياً، لكن تحاول الدولة استغلال هذا الوضع لمصلحتها".

يقول بعض المسؤولين الغربيين إنهم يتوقعون من بوتين أن يستغل استعراض "يوم النصر" لتكثيف الغزو عبر الدعوة إلى تعبئة الجيش لإرسال قوات إضافية إلى أوكرانيا. وفق معلومات المسؤولين الغربيين، تضرر حوالى ربع الوحدات الروسية التي شاركت في المرحلة الأولى من الحرب لدرجة أن تصبح غير ناشطة في الوقت الراهن. وتشير تقديرات المسؤولين الدفاعيين الأوكرانيين إلى خسارة روسيا حوالى 25 ألف جندي خلال شهرَين من القتال، وهو مستوى غير مسبوق من الاستنزاف في الحروب المعاصرة.

صرّح وزير الدفاع البريطاني، بن والاس، لراديو "إل بي سي" في الأسبوع الماضي: "أظن أن بوتين سيحاول تجاوز "عمليته الخاصة". هو يستعد لهذه الخطوة منذ فترة طويلة كي يتمكن من قول ما يلي: "نحن نخوض الآن حرباً ضد النازيين، وأنا أحتاج إلى عناصر إضافية. أحتاج إلى عدد إضافي من الجنود الروس للتضحية بهم في الحرب".

وفي خطوة رمزية أخرى، يخطط الرئيس الأميركي جو بايدن للتوقيع على قانون الإعارة والتأجير للدفاع عن الديمقراطية في أوكرانيا وتحويله إلى قانون رسمي في 9 أيار، ما يعني تجديد السلطة التي كانت سائدة في الحرب العالمية الثانية لمنح بنود دفاعية إلى البلد المحاصر.

برأي هذا المعسكر، اتجهت روسيا على ما يبدو إلى تعزيز حشدها العسكري في الأسابيع الأخيرة، ويقال إن السلطات استدعت جنوداً روساً متقاعدين إلى التجنيد الإجباري باعتبارهم متعاقدين محتملين لنشرهم في المناطق المحتلّة من أوكرانيا. يتوقع مسؤولون أوروبيون آخرون أن يكثّف الجيش الروسي عملياته الهجومية في شرق أوكرانيا خلال الأيام التي تسبق ذكرى انتهاء الحرب كي يتمكن بوتين من إعلان شكلٍ من النصر ويدّعي أنه "حرّر" إقليم "دونباس" في شرق أوكرانيا.

برأي دبلوماسي غربي رفض الإفصاح عن هويته لأنه يناقش تقييمات حكومية حساسة للحرب، تملك روسيا على الأرجح قائمة من الخيارات للاحتفال بذكرى الحرب العالمية الثانية، بما في ذلك إعلان النصر في الأراضي الأوكرانية التي لم يسيطر عليها الجيش الروسي بعد، أو تنظيم مسيرات في المناطق الأوكرانية المحتلة، أو إعلان نقل الحرب إلى مرحلة جديدة مثل زيادة التعبئة العسكرية.

يذكر الدبلوماسي نفسه أن روسيا قد تعلن في 9 أيار، أو في تاريخ قريب منه، عن إجراء انتخابات مزيفة في أراضي "دونيتسك" و"لوهانسك" و"خيرسون" المحتلّة التي يحاول الكرملين فصلها عن أوكرانيا عن طريق استفتاء مفبرك. تعكس هذه الخطوة مواقف مشابهة حول سيادة المناطق الأوكرانية الانفصالية قبيل غزو بوتين الشامل في شهر شباط الماضي.

يخشى المسؤولون الأوكرانيون أن تحاول موسكو تنظيم استعراض لإعلان النصر فوق أنقاض "ماريوبول"، تلك المدينة المرفئية الأوكرانية الاستراتيجية التي تحاصرها القوات الروسية منذ شهرَين تقريباً (لكن نفت روسيا التحضير لتنظيم هذا النوع من المسيرات في "ماريوبول"). يتركّز حوالى ألفَي جندي أوكراني في "ماريوبول" رغم الظروف الصعبة، ويختبئون في مصنع كبير للفولاذ فيما تُرسّخ روسيا سيطرتها على أجزاء أخرى من المدينة. أطلقت روسيا أيضاً هجوماً شاملاً ضد مصنع "آزوفستال" للفولاذ يوم الخميس الماضي.

إفترضت وزارة الدفاع البريطانية يوم الجمعة أن استهداف الروس لذلك المصنع يرتبط برغبة بوتين في تحقيق انتصار رمزي في أوكرانيا قبيل استعراض 9 أيار، لكنها أضافت أن روسيا قد تتكبد الخسائر على الأرجح أثناء مهاجمة تلك المنشأة التي تشبه المتاهة، حتى أن الموارد التي تنوي استعمالها لطرد المقاومة الأوكرانية قد تبطئ المكاسب الروسية في أماكن أخرى من شرق أوكرانيا.

لكن قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، جون كيربي، يوم الخميس الماضي، إن الولايات المتحدة لا تجد أي رابط بين احتفالات «يوم النصر» ومقاربة الكرملين التكتيكية لخوض الحرب، كما أنه اعتبر التقدم العسكري الروسي في إقليم «دونباس» «غير متساوٍ» حتى الآن. يظن خبراء آخرون أن بوتين لا يخضع للضغوط لتحقيق انتصار واضح قبل ذكرى 9 أيار لأنه يفرض سيطرة مفرطة على البلد، وقد نجحت الحملة الدعائية الخاصة بالكرملين في التغطية على الإخفاقات العسكرية الروسية المحرجة أمام الرأي العام المحلي.

تقول ماكغلين: «لستُ واثقة من أن بوتين يتعرض للضغوط بقدر ما نظن. نعرف جميعاً مدى تعثّر الجيش الروسي، لكن لا يدرك معظم الروس ما يحصل على ما يبدو. وحتى لو عرفوا الحقيقة، تبقى سيطرة بوتين مطلقة ولا أظن أنه يخضع لمستوى الضغوط التي يتعرّض لها أي زعيم في الدول الديمقراطية مثلاً».



بوتين ووزير الدفاع سيرغي شويغو ومسؤولين يتفقدون المناورات العسكرية


يتوقع محللون استخباريون كانوا يتعقبون تحضيرات روسيا للمسيرة الاستعراضية في "الميدان الأحمر" في موسكو أن يتراجع حجم الاستعدادات مقارنةً بالسنوات الأخيرة. قد يشير هذا الوضع إلى الانتكاسات التي تواجهها روسيا خلال حربها في أوكرانيا. لم تعد الاستعراضات تشمل المدفعيات والأسلحة بعيدة المدى، على غرار ما شهدته موسكو في العام 2021، فقد أرسلتها روسيا إلى "دونباس" ومن المتوقع أن تُستبدَل بصواريخ "غراد" من الحقبة السوفياتية.

كذلك، قد يقتصر العرض على 131 مركبة، وهو عدد أقل من المركبات التي استعملها الكرملين في السنة الماضية. كما أن العرض الجوي الروسي بطائرات تحمل رمز انتصار روسيا "Z" سيحصل بطائرات مقاتلة قديمة من فئة "ميغ - 29"، بدل الطائرات المقاتلة الحديثة "سوخوي". في غضون ذلك، رصد محققو الإنترنت بعض المركبات الروسية المنتشرة في أوكرانيا وهي مزيّنة بصليب القديس جاورجيوس، ما يثبت أنها كانت تُستعمَل في الأصل لإحياء ذكرى الحرب العالمية الثانية.

في النهاية، يقول أوليفر ألكسندر، محلل مستقل يتابع التحضيرات الروسية للاستعراض العسكري: "لو كنتُ مكان بوتين، لرغبتُ في تنظيم عرضٍ أضخم من العادة هذه السنة لأن تقليص حجم الاستعراض يثبت أن الوضع ليس على ما يرام".