جاد حداد

الأخطبوط كائن واعٍ يستحق العيش على طريقته

14 أيار 2022

02 : 00

بناء مجتمع للأخطبوطيات

تفاجأ علماء الأحياء باكتشاف مجتمعات خاصة بالأخطبوط، إذ لطالما اعتبروا هذا الحيوان معزولاً ولا يتفاعل مع الآخرين إلا في ثلاث حالات محددة: الصيد، تجنب اصطياده، التزاوج.

لكن يثبت الأخطبوط أن ما يحصل في الحياة البرية يشبه ما يصيب الأخطبوطيات الأسيرة: حين تعيش هذه الحيوانات في بيئة محصورة وشديدة الكثافة، لا مفر من أن تشكّل تسلسلات هرمية لفرض سيطرتها.

يقوم ذكر الأخطبوط بمجموعة من السلوكيات العدائية حين يحارب لكسب السلطة، فيرمي الصدف على الآخرين للدفاع عن وكره، ويرفع عباءته الخارجية فوق الجهة الخلفية من رأسه ويصبح أشبه بمصاص دماء خطير.

تثبت الأخطبوطيات الخانعة رضوخها للأقوى منها عبر استعمال الألوان الفاتحة وتسطيح وضعية جسمها. تستطيع الأخطبوطيات الطاغية في المقابل أن تكسب أفضل أنواع الأوكار والإناث بعد الجهود التي تبذلها.

تربية الحيوانات

تشير الأنماط السائدة في مدينتَي "أوكتوبوليس" و"أوكتلانتيس" إلى ظاهرة "تربية الأخطبوط". ظهرت هذه الفكرة بعدما لاحظ العلماء أن الحيوانات، في بعض المجموعات، تقوم بتصرفات لا يمكن رصدها في مجموعات أخرى من الفصيلة نفسها.

كان العالِم الياباني المتخصص بالرئيسيات، كينجي إيمانيشي، من أوائل داعمي عملية تربية الحيوانات، فقد لاحظ خلال الخمسينات أن مجموعة من قرود المكاك اليابانية في جزيرة "كوشيما" تغسل البطاطا الحلوة في المياه قبل أكلها.

بدا ذلك السلوك جديداً من نوعه ولم يسبق أن رصده العلماء لدى مجموعات أخرى من قرود المكاك. كان المراقبون محظوظين بما يكفي لتحديد أصل هذا السلوك. غسل قرد اسمه "إيمو" أول حبة بطاطا في مياه مالحة ثم كرر الآخرون التصرف نفسه، ما أدى إلى ترسيخ هذا النمط السلوكي وسط الجماعة كلها.

أثّرت فكرة تربية الحيوانات على تطور علم الرئيسيات في اليابان خلال المراحل اللاحقة. لكن لم تحصد هذه الظاهرة اهتماماً كبيراً في أوروبا وأميركا الشمالية قبل العام 1999، حين نُشِرت مقالة حول تربية قرود الشمبانزي.

منذ ذلك الحين، عثر العلماء على أدلة حول تربية الحيوانات لدى جميع الأجناس، بما في ذلك الأسماك والطيور والحشرات، وهي سلوكيات نموذجية يمكن تعلّمها اجتماعياً وسط الجماعة.

نوع جديد من الأخطبوطيات

يعني اقتراح إنشاء مزرعة للأخطبوطيات ابتكار ثقافة جديدة لهذه الحيوانات. حين تجتمع الحيوانات "المثقفة" في مكان واحد، لا مفر من أن تنشئ مجتمعاً خاصاً بها.

يدعو هذا الاقتراح أيضاً إلى ابتكار نوع جديد من الأخطبوطيات: ستكون السلوكيات الثقافية داخل بيئة الأسر كفيلة بإنشاء موقع بيئي جديد قد يُمهدّ لشكلٍ لاحق من التطور.

خضعت حيوانات المزارع المألوفة (مثل أبقار أنغوس وخنازير شوكتو) للترويض وأصبحت مختلفة بالكامل عن الحيوانات التي تنحدر منها.

يعجز عدد كبير من الحيوانات المروّضة عن الصمود من دون رعاية البشر. ينطبق ذلك على الأرانب الأليفة التي تطورت من دون غرائزها الأصلية، إذ تضطر الأرانب البرية لحمايتها من الحيوانات المفترسة. كذلك، يصبح صوف الخِراف سميكاً جداً إذا لم يشذبه البشر، ويعجز الدجاج الذي يقتات على اللحوم عن السير في سن الرشد لأن ثدييه يصبحان أثقل من اللزوم.

سيكون إنشاء مزرعة للأخطبوطيات التزاماً جدياً لإنتاج نوع جديد من الحيوانات التي تتكل على البشر للبقاء على قيد الحياة. لا يمكن الاستخفاف بهذه الفكرة، ولا يمكن إطلاق مشروع تجريبي من هذا النوع ثم التخلي عنه حين تكثر المشاكل أو تتراجع الأرباح المتوقعة.

وفق مشروع مقترح حديثاً لإنشاء مزرعة خاصة بالأخطبوطيات في جزر الكناري، يمكن تربية 3 آلاف طن متري من هذه الحيوانات في السنة، ما يعني قتل حوالى 275 ألف أخطبوط فردي سنوياً. تُذكّرنا عبارة "تربية الأخطبوط" بمدينتَي "أوكتوبوليس" و"أوكتلانتيس" للأخطبوطيات البرية في خليج "جيرفيس"، أستراليا.

في "أوكتوبوليس"، تتقاسم الأخطبوطيات بضعة أمتار مربعة من قاع البحر وتتقاتل عليها. في هذه المدن المائية، تنشئ الأخطبوطيات تسلسلات هرمية لفرض سيطرتها، وقد بدأت تُطوّر سلوكيات جديدة: يقاتل الذكور على الأراضي (والإناث على الأرجح) عبر تراشق الأنقاض والملاكمة.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.