من عايش فترة التسعينات يدرك جيداً معنى عبارة "فرق عملة". فوصول سعر صرف الدولار مقابل الليرة في آب العام 1992 الى 2880 ليرة لم يودِ بادّخارات آلاف اللبنانيين فحسب، بل أودى بحياة الكثيرين بعدما شاهدوا جنى العمر يضيع "فرق عملة". قصص كثيرة يخبرها من عاش في لبنان أواخر القرن العشرين، بعض هذه الروايات مأسوي، وخصوصاً على موظفي القطاع العام وأصحاب الدخول بالليرة، أما بعضها الآخر فكان إيجابياً، حيث استطاع الكثيرون ممن يتقاضون رواتبهم بالدولار تسكير سندات دينهم بالليرة اللبنانية بسهولة تامة، نتيجة إرتفاع سعر صرف الليرة مقابل الدولار. وحقق كثيرون ثروات نتيجة تقلبات أسعار العملة واحترافهم المضاربة على الليرة.
إنتحار إقتصادي
آراء الإقتصاديين في معظمها تتفق على أن تثبيت سعر صرف أي عملة يعتبر مقتلاً للإقتصاد، وإن كان لا بد من التثبيت فعادة ما يكون لفترة قصيرة جداً، لا تتجاوز الأشهر، إلا أنّ "تغيير سعر صرف الليرة خلال هذه الفترة المتأزمة على كل المستويات، يُعتبر انتحاراً اقتصادياً واجتماعياً، وأتوقع أن تنتهي هذه الفوضى في غضون أيام قليلة، ويعود سعر الصرف الى ما كان عليه. إذ أن الوضع لم يعد يحتمل التأخير،" يقول الخبير الإقتصادي لويس حبيقة.
وعلى الرغم من أننا في قلب الأزمة، ما زالت معظم الآراء لا تصدق أن تحرير سعر صرف العملة أصبح أمراً واقعاً، وهذا يعود للتخوف من فظاعة ما قد يحدث، أو للثقة الزائدة في سياسة مصرف لبنان وقدرته على التدخل لحماية الليرة، فور عودة الإنتظام الى عمل المؤسسات.
أمر واقع
مقابل إنتظار جلاء المشهد وعودة الأمن والإستقرار - والذي يبدو طويلاً بالنظر الى طريقة تعاطي الحكومة - دخلنا شهراً جديداً و320 الف موظف في القطاع العام سيتقاضون رواتبهم المقدرة بحدود 9 آلاف مليار ليرة، او ما كان يعادل 6 مليارات دولار، إنما في ظل سعر صرف 1730 أصبحت الـ 9 آلاف مليار تعادل 5.2 مليارات دولار، ما يعني ان قدرة الأُسر الشرائية تراجعت هذا الشهر فقط بمقدار مليار و380 مليون ليرة، من دون أن نضيف خسائر دخول القطاع الخاص بالليرة اللبنانية.
إنخفاض القدرة الشرائية، وتحديداً لأصحاب الدخول بالليرة اللبنانية هو النتيجة الاولى والسريعة لأي إنخفاض في سعر صرف الليرة، ليتبعها إرتفاع في كلفة إستيراد كل السلع والخدمات ودخول البلد في مرحلة تضخم. هذا السيناريو الذي عادة ما يحدث، إنما في لبنان قد يكون أسوأ، إذ إن لبنان يعتمد بنسبة 90 في المئة من استهلاكه على الخارج، وقيمة فاتورة الاستيراد السنوية تبلغ 20 مليار دولار، وعليه فإن كلفة الإستيراد سترتفع بمقدار 4 آلاف و600 مليار ليرة، وستؤدي الى ارتفاع هائل في الاسعار في وضع إقتصاد منكمش، ما سيدخل البلد في واحدة من أسوأ الحالات الإقتصادية المعروفة بـ "الركود التضخمي".
هل الأمل حقيقي؟
الخبير الإقتصادي وليد أبو سليمان يشير الى ان "سعر الصرف سيعود الى معدلاته الطبيعية فور إنتهاء الازمة ومعاودة المصارف فتح أبوابها"، إلا انه بحسب أبو سليمان فانه "إذا ترافقت هذه الفترة مع هروب للرساميل، وارتفاع الطلب بنسبة كبيرة على سحب الودائع بالعملات الاجنبية، فان قدرة "المركزي" على التدخل لحماية الليرة ستضعف، وسنكون أمام أمر واقع جديد".
استاذ الإقتصاد الجامعي سليم شاهين يرى "أننا دخلنا مرحلة تحرير سعر صرف العملة. وما يحدث من امتناع المصارف عن تحويل العملة، وارتفاع سعر صرفها في السوق الثانوية، هو خير دليل على ذلك"، وعمّا إذا كان "المركزي" ما زال يستطيع التدخل لحماية الليرة، يقول إنه "من الصعب في فترة الثورة معرفة كيفية حماية الإقتصاد والمال، وكل النظريات تصبح تكهنات".
على الرغم من أن المشكلة نقدية إقتصادية، إلا ان معالجتها سياسية وتتمثل بحسب حبيقة بـ"اختيار أشخاص موثوقين من الداخل والخارج لاستلام زمام الوزارات بعد استقالة الحكومة".