خلايا مناعيّة دماغيّة تحميك من الوسواس القهريّ والقلق!

5 دقائق للقراءة

خلال العقد الأخير، اكتشف العلماء أن الخلايا الدبقية الصغيرة (نوع من الخلايا المناعية الواقعة في الدماغ) لا تكتفي بالتجاوب مع الأمراض والالتهابات. اليوم، يربط بحث جديد بين اختلال تلك الخلايا التي تكون ذات أصل وراثي محدد والقلق والوسواس القهري.

نُشِرت نتائج الدراسة في مجلة "تقارير الخلية"، وكشفت أيضاً أن الهرمونات الجنسية النسائية قد تؤدي إلى تفاقم أعراض القلق التي تنشأ حين يتعطل عمل هذه المجموعة الفرعية من الخلايا الدبقية.

يُسلّط هذا الاكتشاف الضوء على المعطيات الحيوية الدماغية للقلق والحالات المرتبطة به، على غرار الوسواس القهري الذي يبقى سببه الأصلي غير واضح.

يقول المشرف الرئيس على الدراسة، ديميتري تراينكنر، أستاذ بحثي مساعِد في العلوم الحيوية في جامعة "يوتا"، في "سولت لايك سيتي": "تصاب النساء بالقلق الحاد أكثر من الرجال في مرحلة معينة من الحياة. في هذه الدراسة، استطعنا أن نربط بين القلق واختلال نوع من الخلايا الدبقية الصغيرة والهرمونات الجنسية النسائية".

اكتشف العلماء الخلايا الدبقية الصغيرة خلال العشرينات وأدركوا منذ ذلك الحين أهمية أدوارها في الدماغ بعد التعرض للإصابات والالتهابات والأمراض. فقد أثبتوا أن هذه الخلايا المناعية الفطرية تؤثر على حالات كثيرة، بدءاً من مرض الزهايمر والتصلب المتعدد، وصولاً إلى سرطان الدماغ.

لكن كشفت مجموعة كبيرة من الأبحاث حديثاً أن الخلايا الدبقية تؤدي وظائف متعددة أيضاً، فتؤثر مثلاً على جوانب من نمو الدماغ، بما في ذلك إنتاج غلاف المايلين الذي يحمي الألياف العصبية، وتحفيز الروابط الواقعة بين الخلايا الدماغية وتنظيمها.

كذلك، بدأ العلماء يفهمون أن أثر الخلايا الدبقية الصغيرة يمتد إلى السلوك. يُعدّد تراينكنر وزملاؤه في تقريرهم الدراسات التي استنتجت أن نشاط الخلايا غير الطبيعي قد يسبب الاكتئاب أو القلق تحت تأثير الضغط النفسي المطوّل، ويوضحون أن تلك الخلايا ليست متشابهة. أثبتوا في أبحاثهم الجديدة مثلاً وجود أصلَين مختلفَين للخلايا الدبقية على الأقل، ويمكن أن تُعاد برمجتهما لاستعمالات أخرى.

في بحث سابق، رصد الباحثون مجموعة فرعية محددة من تلك الخلايا، علماً أن سلائفها تعبّر عن البروتين Hoxb8 خلال نمو الجنين. يكون هذا البروتين عبارة عن عامل نسخ يستطيع تغيير سلوك الخلايا عبر تشغيل الجينات وتعطيلها. يبدو أن ثلث الخلايا الدبقية لدى الفئران الراشدة ينحدر من سلائف بروتين Hoxb8.

كذلك، أثبت باحثون آخرون أن الفئران التي تفتقر إلى هذا البروتين تصبح أكثر ميلاً إلى سلوك يشبه الوسواس القهري البشري المرتبط بنتف الشعر. لكنهم لم يحددوا الخلايا المؤثرة في هذا المجال.في الدراسة الجديدة، تمكّن تراينكنر وزملاؤه من تحديد الخلايا المسؤولة عن هذا السلوك: إنها الخلايا الدبقية الصغيرة المشتقة من سلائف مرتبطة ببروتين Hoxb8.

كشفت تجاربهم أن تعطيل تلك الخلايا لدى الفئران زاد ميلها إلى سلوك نتف الشعر، وتستطيع هذه الخلايا الناشطة أن تعيق السلوك القهري.

يوضح تراينكنر: "لطالما اشتبه الباحثون بأن الخلايا الدبقية تؤدي دوراً في القلق والاضطرابات العصبية والنفسية لدى البشر، لأن هذا النوع الخلوي يطلق عناصر قد تؤذي الخلايا العصبية. لكننا تفاجأنا حين اكتشفنا أن الخلايا الدبقية تحمي من القلق".

على صعيد آخر، لاحظ الباحثون أن الهرمونات الجنسية النسائية قد تؤدي إلى تفاقم الوسواس القهري والقلق، حين تشتق الحالات من خلايا دبقية شائبة ومرتبطة ببروتين Hoxb8. كانت الأعراض حادة لدى إناث الفئران أكثر من الذكور دوماً.كذلك، واجهت الإناث مظاهر القلق أكثر من الذكور. جمع الباحثون أدلة على هذا الاستنتاج في الاختبار الجديد الذي طوّروه وتأكدوا من نتائجه، إذ توسّع بؤبؤ عين الحيوانات بشكل ملحوظ في الظروف العصيبة.

للتأكد من أثر الهرمونات الجنسية النسائية على أعراض الوسواس القهري والقلق، غيّر الباحثون مستويات هرمونَين نسائيَين لدى الحيوانات: الأستروجين والبروجستيرون.عندما تلاعب فريق البحث بمستويات الهرمونات لدى الإناث كي تتساوى مع كميتها لدى الذكور، لوحظ أن أعراض الوسواس القهري والقلق أصبحت متشابهة في الفئتين. لكن حين تساوت الهرمونات لدى الذكور والإناث معاً، بدت أعراض الحالتين متشابهة في المجموعتين.

تثبت هذه النتائج برأي تراينكنر وجود آلية تربط الجنس البيولوجي والتاريخ العائلي الوراثي بخطر الإصابة باضطرابات القلق.

لا يدّعي الباحثون أنهم وجدوا علاجاً للقلق، لكن تُمهّد النتائج برأيهم لابتكار أدوية جديدة لمعالجة المشكلة. قد تصبح أعراض القلق حادة أحياناً لدرجة أن تعيق علاقات الناس وقدرتهم على العمل والدرس وإتمام النشاطات اليومية.

في النهاية، يستنتج تراينكنر: "تفتح هذه الدراسة المجال أمام تغيير طريقة التعامل مع القلق. بفضل هذا النموذج، يمكننا أن نختبر أدوية جديدة لمساعدة تلك الفئران أولاً، تمهيداً لمساعدة البشر أيضاً في مرحلة معينة".