القرود تشعر بنبضات قلبها... نبأ سار للطب النفسي؟

02 : 00

يعرف الجميع طبيعة المشاعر التي تنتابنا حين تتسارع ضربات قلبنا عند رؤية عنكبوت أو تلقي رسالة نصية من الحبيب. وفق دراسة جديدة، يبدو أن القرود تختبر التجربة نفسها. اكتشف العلماء للمرة الأولى أدلة مفادها أن حيواناً غير بشري يشعر بنبضات قلبه. هذا الاستنتاج قد يساعد العلماء على دراسة العواطف البشرية على المستوى الخلوي.

يتُعرَف القدرة على استشعار عوالمنا الداخلية (من خفقان القلب إلى امتلاء المثانة) باسم "الإدراك الحسّي الداخلي" (Interoception). مثلما تساعدنا حواس اللمس والذوق والشم على ترميز المعلومات الحسية المرتبطة بالعالم الخارجي، تُنبّهنا حواس الإدراك الداخلي حول ما يحصل داخل الجسم. تقول المشرفة الرئيسية على الدراسة، إليزا بليس مورو، طبيبة نفسية وعالِمة أعصاب في "مركز كاليفورنيا الوطني لأبحاث الرئيسيات"، إن الإدراك الحسي الداخلي يوضح جميع عوامل التجربة البشرية على ما يبدو، فهو يسمح لنا بالتنقل حول العالم بأفضل الطرق.

في العقود الأخيرة، ربط العلماء بين حساسية الإدراك الحسي الداخلي والوعي العاطفي ومجموعة متنوعة من مشاكل الصحة النفسية. يكون الأشخاص غير البارعين في تحديد معدل ضربات قلوبهم مثلاً أكثر ميلاً إلى الإصابة باضطراب الاكتئاب الحاد. من خلال دراسة الخصائص الفيزيولوجية للإدراك الحسّي الداخلي، يتمنى العلماء في نهاية المطاف اكتشاف معلومات إضافية عن اختلاف طريقة ظهور الاضطرابات النفسية ومسار تطورها.

برأي ويليام كايل سيمونز، خبير في علم الأعصاب الإدراكي في جامعة ولاية "أوكلاهوما" (لم يشارك في الدراسة الجديدة)، يصعب تحليل الإدراك الحسّي الداخلي لأن الهياكل الدماغية المؤثرة، مثل القشرة المعزولة، تقع في "مناطق محظورة" لا يمكن الوصول إليها من دون جراحة غازية. في محاولة لإيجاد نظام مماثل، لجأت بليس مورو وزملاؤها إلى القرود لأن الدراسات السابقة كانت قد ألمحت إلى احتمال أن تصغي هذه الحيوانات إلى أجسامها أيضاً.

لتحقيق هذا الهدف، كرر الباحثون تصميم دراسة سابقة على أطفال رضع. في هذه التجربة، ربط العلماء 41 طفلاً بجهاز تخطيط القلب الكهربائي لمراقبة معدل ضربات قلوبهم، وجهاز تعقب العين بالأشعة تحت الحمراء لتحديد اتجاه نظراتهم. شاهد الأطفال الرضع على شاشة أمامهم فيديوات لأشكال متحركة (غيوم صفراء ومضلعات زهرية). اصطدم جزء من الأشكال بأعلى الشاشة وأسفلها بوتيرة متناغمة مع ضربات قلوب الأطفال، بينما تحركت الأشكال الأخرى بإيقاع غير متزامن (أسرع أو أبطأ من اللزوم).

بما أن الأطفال يميلون بطبيعتهم إلى التركيز على الحوافز التي يعتبرونها مفاجئة أو في غير محلها، راحوا يطيلون النظر إلى الأشكال التي تتحرك بطريقة غير متزامنة مع نبضاتهم، ما يثبت أنهم يدركون إيقاع قلبهم.

عندما كررت بليس مورو وزملاؤها الدراسة على أربعة قرود من فصيلة المكاك الريسوسي، ميّزت جميع الحيوانات بين الحوافز المتناغمة وغير المتناغمة. خصصت القرود حوالى 1.01 ثانية للنظر إلى الأشكال التي تتحرك بالتناغم مع نبضها، لكنها أمضت 0.83 و0.68 ثانية إضافية على التوالي حين تحركت الأشكال بوتيرة أسرع أو أبطأ بنسبة 10%. نشر الباحثون هذه الاستنتاجات حديثاً في "وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم"، وقد تكررت النتائج في مئة تجربة على القرود وكانت الأرقام قريبة من معدلات الأطفال. برأي سيمونز، إنه أول دليل قوي على وجود الإدراك الحسّي الداخلي لدى الرئيسيات غير البشرية، وقد تُمهّد هذه النتيجة لابتكار طرق جديدة لفهم أصله البيولوجي.

على صعيد آخر، قد تسمح هذه النتائج بِسَدّ الفجوة بين علم وظائف الأعضاء وعلم النفس السلوكي. بما أننا نعرف اليوم أن القرود تستعمل المؤشرات الإدراكية الداخلية التي يستخدمها الناس، يستطيع الباحثون أن يستكشفوا الرابط بين القلب والقشرة المعزولة لدى الكائنات الأقرب إلى البشر من الناحيتَين السلوكية والجسدية. انتهت الآن معظم الدراسات التي تتمحور حول الوظائف النفسية المعقدة وتستعمل القوارض التي تحمل أنظمة عصبية وآليات معالجة حسية مختلفة بالكامل عن البشر. تتعدد المخاوف الأخلاقية عند الاستعانة بالرئيسيات غير البشرية، لكن تشدد بليس مورو على إمكانية جمع معلومات جديدة من القرود بما يفوق ما تكشفه تجارب الفئران والجرذان: "في نهاية المطاف، نحن نتساءل عن أسباب وآليات ظهور العواطف التي يختبرها البشر. أراهن على أن القرود ستساعدنا على فهم الآليات العصبية السببية. إذا تمكن الباحثون من تعقب الدوائر المسؤولة عن المشاعر والعواطف، قد يبدؤون بتوقع أمراض نفسية مختلفة والوقاية منها".

أخيراً، يقول سيمونز: "ثمة اختلافات بارزة بين أدمغة القرود والبشر، لا سيما في المناطق المرتبطة بأعلى درجات التفكير. هذا النموذج ليس مثالياً، لكنه يقرّبنا من النموذج المثالي أكثر من أي وقت مضى".

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.